تُعد مادة "الترجمة الإعلامية" من المقاييس الأفقية الأساسية والمحورية لطلبة السنة الثانية تخصص علوم الإعلام والاتصال، إذ تمثل جسراً حيوياً بين التحصيل الأكاديمي والاحتراف الإعلامي، ويأتي هذا المقياس ليؤكد أنَّ العمل الصحفي والإعلامي الحديث لم يعد مقتصراً على المحتوى المحلي، بل يتطلب انفتاحاً واسعاً على الأجندات والأخبار العالمية بلغات مختلفة، وإنَّ التمكن من آليات الترجمة الإعلامية لم يعد مجرد مهارة إضافية، بل أصبح ضرورة مهنية للتعامل مع تدفق المعلومات العابر للحدود، مما يضمن للدارس موقعاً متقدماً في سوق العمل الإعلامي المتعدد اللغات.

تهدف هذه المحاضرات إلى تزويد الطالب بـالخلفية النظرية والتطبيقية العميقة اللازمة للتعامل مع النص الإعلامي المترجَم، وستنطلق من التأصيل النظري لمفهوم الترجمة عامة والترجمة الإعلامية كتخصص دقيق، مروراً بفهم الخصائص الفريدة للرسائل الإخبارية، والتي تتطلب الدقة، والإيجاز، والسرعة، والحياد، كما سيتم تسليط الضوء على أخلاقيات الترجمة الإعلامية التي تحكم نقل الخبر بأمانة وموضوعية، مع مراعاة الفروقات الثقافية والسياقات الاجتماعية للجمهور المستهدَف، وهي جوانب حاسمة في بناء مصداقية المؤسسة الإعلامية.

وفي مسار التكوين الإعلامي والصحفي، تكتسب هذه المادة أهمية قصوى كونها تركز على التطبيقات الميدانية في مختلف أشكال الصحافة، حيث سيتعلم الطالب كيفية ترجمة أنواع متخصصة من النصوص، سواء كانت سياسية، اقتصادية، رياضية، أو علمية، مع التركيز على التحديات الخاصة بكل منها، كما سيتم التفريق بين متطلبات الترجمة في الصحافة المكتوبة (العناوين، المقالات) والصحافة المسموعة/المرئية (التعليق الصوتي، التوطين)، والصحافة الإلكترونية التي تتسم بالسرعة الفائقة وإمكانية التحديث المستمر، وهذا التنوع يضمن للطالب فهماً شاملاً لكيفية تكييف النص المترجَم مع الوسيلة الإعلامية.

تتجاوز أهداف المادة مجرد نقل الكلمات، لتصل إلى بناء قدرة الطالب على التحليل النقدي للنصوص الإعلامية الأصلية والمترجمة، وسيتضمن ذلك دراسة متعمقة لاستخدام أدوات الترجمة بمساعدة الحاسوب (CAT Tools) وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ليس لاستبدال المترجم البشري، بل لرفع كفاءته وسرعته في ظل إيقاع العمل الإخباري المتسارع، وأيضاً ستخصص المحاضرات جزءاً هاماً للتمارين التطبيقية ودراسات الحالة (Case Studies) لتحليل الأخطاء الشائعة وتقييم جودة الترجمة، مما يحول المعرفة النظرية إلى كفاءة مهنية قابلة للقياس والتطبيق.

إن هذه المادة تُعنى بتكوين إعلامي-صحفي مُتمكّن، قادر على لعب دور فاعل في بيئة إعلامية عالمية متعددة اللغات والثقافات، فالترجمة الإعلامية هي في جوهرها عملية إدارة للمعرفة ونقل للثقافة، ونجاح الطالب في هذا المقياس هو خطوة أساسية نحو بناء مسار مهني متميز، سواء في الوكالات الإخبارية الدولية، أو غرف الأخبار المحلية التي تستقي مصادرها من الخارج، أو حتى في مجال الاتصال التنظيمي والعلاقات العامة على المستوى الدولي.

د. نصرالدين مزاري


Modifié le: samedi 18 octobre 2025, 14:21