ثالثا: تعريف النموذج البيداغوجي:

إن النموذج في اللغة مثال يقتدى به أو يعمل عليه الشيء. إنه تصور مسبق تتحقق فيه درجات التكامل والإتقان، فيبتغى من قبل الخاص والعام. ولعل قرن هذا المصطلح بالبيداغوجيا يدخله ضمن دائرة المفاهيم التربوية، حديثة العهد من جهة، والمتداخلة مع مفاهيم أخرى من قبيل النسق والنظام والمنهاج والتصور من جهة ثانية...

وتكاد الأدبيات التربوية المهتمة بمجال التحديد والتعريف، تتفق على أن النموذج البيداغوجي "بناء مجرد يتكون من عناصر تجربةٍ مجسدة ذات دلالة، تتحقق من خلال طرائق وتقنيات وأدوات. وتسمح خاصية النماذج البيداغوجية بالربط بين الجلي والخفي، والمرئي وغير مرئي، والظاهر والضمني، والتدرج نحو المجرد".

نستكشف من هذا التعريف أن النموذج البيداغوجي تفكير مسبق فيما يجب أن تكون عليه مختلف ثوابت ومتغيرات النسق التربوي، وما يجب أن تحكم هذه العناصر من محددات تنبني أساساً على خصائص التكامل والإتساق والتدرج. وهو ما مكن من وضع نماذج بيداغوجية محكومة بالتيارات والموجهات التي أنتجت فيها، والتي يؤطر كل واحد منها، ترابط خطواته ومراحله في تخطيط وتنفيذ وتقويم مختلف العمليات والإجراءات. ومن أهم النماذج التي إنتقلت من مجال التصور إلى مجال التطبيق نذكر:

  • النموذج التقليدي المعتمد على التلقين والتبليغ.

  • النموذج التقليدي المجدد، المعتمد على الإلقاء والتلقين، مع إدراج تغييرات وإستعمال تقنيات سمعية بصرية.

  • النموذج الممنهج، المعتمد على خطوات منهجية معقلنة ذات أهداف محددة.

  • النموذج المتمحور حول المتعلم، المعتمد على حرية المتعلم ونماء شخصيته.

  • النموذج المتمركز حول الجماعة من خلال تفاعل أعضائها.

وتعرف معظم الأدبيات التربوية النموذج البيداغوجي بوصفه نسقا من التصورات والنظريات المطبّقة في مجال التربية والتعليم. وفي هذا الإطار أنتج التفكير البيداغوجي ثلاثة نماذج بيداغوجية رئيسية هي النموذج التلقيني، والنموذج السلوكي، والنموذج البنائي. ويستند كل نموذج من هذه النماذج إلى نظريات علمية وتصورات إبستمولوجية تخص آليات التعلم وطبيعة المعرفة...

إنطلاقا من هذا التعريف، يقصد بالنموذج البيداغوجي مرتكزات الفعل التعليمي التعلمي، وغايته، ومضامينه، والمبادئ والخلفيات النظرية التي يقوم عليها وهو يتضمن علاوة على ذلك، مناهج التربية والتكوين والمقاربات المعتمدة، بالإضافة إلى التكوينات وأنظمة التقييم والإمتحانات...

النموذج البيداغوجي بهذا المعنى هو جوهر عمل المدرسة بمختلف مكوناتها، وأساس إضطلاعها بوظائفها في التنشئة الإجتماعية والتربية، والتعليم، والتعلم، والتثقيف والتكوين.

إذن فالنماذج البيداغوجية هي الأنماط، والمرجعيات، والمثل العليا، والمبادئ المستخدمة في الفعل التربوي، عوضا عن فاعلين تربويين مثاليين أو طرق تدريس جاهزة، ويشير مارسيل ليسن على أنها عمليات إرسال وتحفيز وتملك للمعرفة، في حين يشير "جون بيار أستولفي" إلى أن النموذج البيداغوجي هو عملية إستعارة وتكييف وبناء.

النموذج البيداغوجي إذن هو: عبارة عن مجموعة من العمليات التي تربط بين الكيفية <كيف> والسبب <لماذا>. ويرتبط المصطلح الأخير بمجموع الأعمال والأبحاث التي تهتم البيداغوجيا <علوم التربية> كمضامين التدريس، وعلم النفس المرتبط بالمتمدرسين وطرق تفعيل العمليات التعليمية التعلمية، من جهة ومن جهة أخرى يقوم على فلسفة الإنسان، وعلى نوع المجتمع المنشود. لذا فالنموذج البيداغوجي لا يمكن تقديمه بوصفه مجموعة من المبادئ الموجهة، بل كنتيجة لمجموعة من الطرائق النموذج البيداغوجي هو إذن نظام ولا يمكن تغيير أي من مكونات دون تغييره بأكمله.