المـــــــــــــــحـــاضــــــــــــرة السادســـــة

  • ثانياً: خصوصية جرائم الفساد وأساليب التحري الخاصة بها

ثانياً: خصوصية جرائم الفساد وأساليب التحري الخاصة بها

من خلال تفحص الباب الرابع من هذا القانون والمعنون بالتجريم والعقوبات وأساليب التحري نجد بأن المشرع خصص أحكاماً بذاتها لهذه الجرائم ولأساليب التحري الخاصة بها.

1- خصوصية جرائم الفساد في أحكام القانون 06-01:

تتجلى هذه الخصوصية في العديد من النقاط التي تتعلق بهذه الجرائم والتي نظمتها المواد من 48 إلى 55 من هذا القانون:

- الظروف المشددة:

إن الظروف المشددة في طبيعتها تمثل مجموعة من الأسباب التي نص عليها القانون حيث إذا توافرت في جريمة من الجرائم يتم رفع العقوبة إلى حد يتجاوز الحد الأقصى للعقوبة في الحالات العادية.

وبموجب المادة 48 تم تشديد عقوبة الحبس من عشر (10) سنوات إلى عشرين (20) سنة مع ابقاء نفس الغرامة المقررة للجريمة المرتكبة بالنسبة للقضاة والموظفون الذين يمارسون وظائف عليا في الدولة والضباط العموميون وأعضاء السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد مكافحته وضباط وأعوان الشرطة القضائية ومن يمارسون بعض صلاحيات الشرطة القضائية وموظفو أمانة الضبط، وهذا نظراً لعلمهم ودرايتهم التامة بهذه الجرائم ومدى خطورتها على المجتمع وعلى الدولة؛ وباعتبارهم أعوان للدولة في مكافحة هذه الجرائم.

- الإعفاء من العقوبات وتخفيفها: وهي اجراءات للإعفاء من العقوبة أو التخفيف منها إذا كان أحد الجناة قد ساهم في التبليغ عن الجريمة أو في القبض على أحد الأشخاص الضالعين في ارتكاب أحدى جرائم الفساد، وتسمى هذه الاجراءات في القانون المقارن بالأعذار .

- العقوبات التكميلية: وهي سلطة ممنوحة للجهات القضائية بموجبها يمكن لها المعاقبة بعقوبة أو أكثر من العقوبات التكميلية الواردة في قانون العقوبات مثل: الحرمان من الحقوق الوطنية والمدنية والعائلية أو سحب جواز السفر أو نشر أو تعليق حكم أو قرار الإدانة .

- التجميد والحجز والمصادرة: بموجب المادة الثانية من القانون 06-01 يقصد بالتجميد أو الحجز بتلك الإجراءات الصادرة عن الجهات القضائية المختصة بفرض حضر مؤقت على حركة الممتلكات أو التصرف فيها أو حيازتها؛ فالتجميد يخص حركة الأموال المودعة في مختلف الأرصدة أما الحجز يخص كل المنقولات والعقارات والأموال، ويقصد بالمصادرة بتلك الإجراءات الصادرة عن الجهات القضائية المختصة بالتجريد الدائم لمختلف الممتلكات المتحصل عليها من جرائم الفساد.

وتعتبر هذه الاجراءات من قبيل العقوبات التكميلية الواجبة التطبيق خاصة فيما يتعلق بجرائم الفساد ولهذا جاء نص المادة 51 من القانون 06-01 ليفرضها على مختلف عائدات هذه الجرائم وفي كل مراحل الدعوى العمومية.

- المشاركة والشروع: من خلال نص المادة 52 من القانون 06-01 نلاحظ أن المشرع فرض نفس العقوبات المقررة على المشاركين في جرائم الفساد بينما تشدد في الشروع فيها وأقر لها نفس عقوبة الجريمة، حيث لا يعاقب على ذلك في الجنح إلا بناء على نص صريح في القانون وذلك بموجب المادة 31/1 من قانون العقوبات، ليعطيها بذلك خصوصية على باقي الجرائم الأخرى.

- مسؤولية الشخص الاعتباري: وهو إقرار حديث للمسؤولية الجزائية للأشخاص المعنوية مثلما تم تحديثه في قانون العقوبات في نص المادة 51 مكرر منه باستثناء الدولة والجماعات المحلية والأشخاص المعنوية الخاضعة للقانون العام.

- التقادم: من المتعارف عليه بأن التقادم هو امتناع تنفيذ الجزاء المحكوم به بعد مضي مدة من الزمن حددها القانون وذلك نظرا لاعتبارات عديدة من أهمها زوال أثر الجريمة في المجتمع.

لكن المشرع الجزائري ومن خلال أحكام القانون 06-01 جعل خصوصية لتقادم جرائم الفساد وذلك بأن الدعوى العمومية فيها وكذا عقوباتها لا تتقادم أبداً في حالة تحويل عائدات هذه الجرائم إلى خارج الوطن، أما في باقي الحالات الأخرى فتسري عليها الأحكام العامة المنصوص عليها في قانون الاجراءات الجزائية (المواد من 07 إلى 10 بالنسبة لتقادم الدعوى العمومية والمواد من 612 إلى 617 بالنسبة لتقادم العقوبة).

غير أنه وفي الفقرة الأخيرة من المادة 54 من القانون 06-01 وضع المشرع استثناء يتمثل في مدة تقادم الدعوى العمومية المتعلقة بجريمة الاختلاس والتي أقر بأنها تساوي الحد الأقصى للعقوبة أي عشر (10) سنوات مثلما تم توضيحه سابقاً.

- آثار الفساد: لقد قام المشرع بموجب نص المادة 55 من القانون 06-01 بمراعاة كل الآثار القانونية التي قد تترتب عن ارتكاب جرائم الفساد والتي قد تنجر عنها اكتساب حقوق وقيام التزامات من خلال تلك العقود أو الصفقات أو الامتيازات... موضوع هذه الجرائم، فأعطى كامل السلطة للهيئات القضائية الفاصلة في النزاع لإبطال كل هذه الآثار مع مراعاة حقوق الغير حسن النية.

2- أساليب التحري الخاصة بجرائم الفساد:

من خلال نص المادة 56 من القانون 06-01 أقر المشرع أساليب خاصة للتحري عن هذه جرائم من أجل تسهيل جمع الأدلة المتعلقة بها على خلاف الأساليب التقليدية المتعارف عليها في التحقيق الابتدائي في قانون الاجراءات الجزائية .

ويستوجب إعمال هذه الأساليب الخاصة إذناً من الهيئات القضائية المختصة نظراً لأنها تتعارض مع خصوصية وحريات الأفراد غالباً لكنها تصب في المصلحة العامة لهذا أمكن اجازتها باشتراط الإذن أو الترخيص.

ويبدو أن المشرع ذكر هذه الأساليب الخاصة على سبيل الذكر لا على سبيل الحصر، حيث تناول بعضاً منها وهي كالآتي:

- التسليم المُراقب: لقد عرفته المادة الثانية من القانون 06-01 على أنه: ((الإجراء الذي يسمح لشحنات غير مشروعة أو مشبوهة بالخروج من الإقليم الوطني أو المرور عبره أو دخوله بعلم من السلطات المختصة أو تحت مراقبتها، بغية التحري عن جرم ما وكشف هوية الأشخاص الضالعين في ارتكابه)).

وعلى أساس ذلك يعمل ضباط الشرطة القضائية -وبعد الحصول على الإذن من وكيل الجمهورية المختص- على التخطيط للإيقاع بالجناة في جرائم الفساد بالتنسيق مع مختلف الهيئات وذلك بالمشاركة في عمليات التسليم لمواد موضوع جريمة الفساد على أساس أنهم أطراف فعليون في هذه العملية حتى يتم الكشف عن باقي الأطراف.

ومن بين الأهداف المباشرة لعملية التسليم المراقب فإنه يسهل عملية تعقب الأموال غير المشروعة من خلال التحري عن مصدرها وضبطها ومن ثم السيطرة عليها والحيلولة دون إمكانية التصرف فيها .

كما أن هذا الإجراء يسمح بالإيقاع بأكبر عدد ممكن من المجرمين خاصة العناصر الرئيسية من الرؤوس المدبرة والأيدي الممولة والعقول المفكرة لهذا السلوك الإجرامي، دون أن ننسى امكانية ضبط أكبر عدد ممكن من العائدات الإجرامية .

- الترصد الإلكتروني: وهو عملية متابعة دقيقة للأشخاص الضالعين في قضايا الفساد وذلك من خلال مختلف الوسائل الالكترونية بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها التي ينشط فيها هؤلاء ويتواصلون مع بعضهم البعض، حيث تكون هذه العملية بعد الحصول على الإذن المسبق من وكيل الجمهورية المختص نظراً لأنها تنتهك خصوصيات الأفراد.

ومن أهم صور الترصد الالكتروني توجد ثلاث (03) أساليب هي:

- اعتراض المراسلات: وهي عملية مراقبة المراسلات السلكية واللاسلكية وجميع الخطابات والوسائل والطرود والبرقيات التلغرافية والمكالمات الهاتفية في إطار البحث والتحري عن الجريمة وجمع الأدلة حول كل المشتبه فيهم في ارتكابها.

- تسجيل الأصوات: وهو ذلك الإجراء الذي بموجبه يتم تسجيل الأحاديث الصادرة من الهواتف أو الصادرة من أجهزة الميكروفون الموضوعة خصيصاً لذات الغرض ، وبالتالي تُحفظ هذه المحادثات لاستعمالها في عمليات البحث والتحري.

- التقاط الصور: وهي عملية تسمح بالتقاط الصور لشخص أو عدة أشخاص متواجدون في مكان خاص عن طرق أجهزة خاصة، تلتقط الصور لوحدها أو الصورة والصوت معاً دون علم الأشخاص محل الالتقاط .

والتي استحدثها المشرع الجزائري في قانون الاجراءات الجزائية حيث جاءت على اثر تعديل هذا القانون بموجب القانون رقم 06-22 المؤرخ في 20/12/2006 باعتبارها اجراءات تستلزم مواكبة التطورات الحاصلة في المجتمع.

- الاختراق أو التسرب: رغم أن المشرع قد استخدم مصطلح التسرب في قانون الاجراءات الجزائية إلا أنه في القانون 06-01 غير ذلك واستعمل المصطلح المرادف له وهو الاختراق، ويقصد بعملية التسرب قيام ضابط أو عون الشرطة القضائية بمراقبة الأشخاص المشتبه في ارتكابهم لمختلف جرائم الفساد من خلال ايهامهم أنه فاعل معهم أو شريك لهم وذلك طبعاً بعد الحصول على الإذن المسبق من وكيل الجمهورية المختص.

ولقد حددت المواد من 65 مكرر 12 إلى 65 مكرر 18 من الأمر 66-155 المتضمن قانون الاجراءات الجزائية المعدل والمتمم شروط مباشرة عملية التسرب وفق اجراءات تضمن سلامة أعوان الشرطة القضائية وكذا حقوق وحريات كل الأفراد.

وللتذكير فإن هناك من يرى بأن التسرب يعصف بمبدأ الزامية النزاهة والشرعية المتطلبة للحصول على الدليل خاصة إذا كان هذا الدليل ناتج عن تحريض الضبطية القضائية للمتهم من خلال عملية تسرب .

وللتذكير فإن المشرع في المادة 24 مكرر1 من القانون 06-01 مدد الاختصاص المحلي لضابط الشرطة القضائية التابعين للديوان المركزي لقمع الفساد في جرائم الفساد والجرائم المرتبطة بها إلى كامل الإقليم الوطني خروجاً عن القاعدة العامة في المادة 16 من قانون الاجراءات الجزائية والتي تحدد الاختصاص المحلي لضباط الشرطة القضائية بالحدود التي يباشرون ضمنها وظائفهم المعتادة.

وهو ما يؤكد انضمام جرائم الفاسد إلى الحالات الاستثنائية في تمديد الاختصاص المحلي الموجودة في هذه المادة مثل جرائم المخدرات والجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية والجرائم الماسة بأنظمة المعالجة الآلية للمعطيات وجرائم تبييض الأموال والإرهاب والجرائم المتعلقة بالتشريع الخاص بالصرف وفي الحالات الاستعجالية، ليكون ذلك من بين أهم خصوصيات جرائم الفساد وأهم أساسيات أساليب التحري الخاصة بها.

بدايةنهاية
استقبالاستقبالاطبعاطبعتم إنجازه بواسطة سيناري (نافذة جديدة)