المـــــــــــــــحـــاضــــــــــــرة الــــرابـــــــعــــــة

أولاً: الجرائم والعقوبات الواردة في قانون الوقاية من الفساد ومكافحته

لقد عمد المشرع الجزائري على إخراج مجموعة من الجرائم من قانون العقوبات وضمّها لقانون الوقاية من الفساد ومكافحته نظراً لطبيعتها المتعلقة بالوظيفة العامة ونظراً للفساد الذي قد يترتب عن سوء إعمالها لخدمة المصالح الشخصية دون المصلحة العامة، كما قام المشرع باستحداث بعض الجرائم في هذا القانون وذلك على اعتبار أنها تمثل صوراً حديثة للفساد أو ثغرات لمزاولته لم يتم تجريمها بعد.

وعلى أساس ذلك سنقوم بالتطرق لمختلف هذه الجرائم فيما يلي:

1- جريمة الرشوة:

في عموم الدراسات يتفق الفقهاء على أن جريمة الرشوة بمعناها الواسع تقوم على اتفاق بين بين الموظف أو المستخدم وبين من يطلب خدماته بموجبه يتحصل الموظف أو المستخدم على فائدة نظير أدائه عمل من أعماله أو الامتناع عنه.

ومن خلال ذلك اختلفت معظم التشريعات في معالجتها لجريمة الرشوة وسلكت أحد المذهبين التاليين:

- مذهب وحدة الرشوة: ويعتبر هذا المذهب بأن الرشوة جريمة واحدة لها فاعل أصلي واحد وهو المرتشي بينما يعتبر الراشي شريكاً في الجريمة الأصلية وبالتالي لا توجد تفرقة بين الرشوة الايجابية والرشوة السلبية.

- مذهب ثنائية الرشوة: يرى هذا المذهب بأن الراشي والمرتشي فاعلان أصليان مختلفان وبالتالي نصبح بين أمام جريمتين منفصلتين، جريمة سلبية فاعلها الأصلي المرتشي (الموظف أو المستخدم) وأخرى ايجابية فاعلها الأصلي الراشي (صاحب المصلحة من أداء العمل أو الامتناع عنه) ومن أنصار هذا المذهب المشرع الفرنسي ونظيره الألماني وهو ما عمد المشرع الجزائري على اعتماده.

وعلى غرار ذلك جاء القانون 06-01 بأحكام جديدة بالنسبة لجريمة الرشوة، حيث عمد إلى التطرق لها كل من القطاع العام والخاص وبمختلف صورها الإيجابية والسلبية وتطرق لها في حالة رشوة الموظفين العموميين الأجانب وموظفي المنظمات الدولية العمومية، كما خصص لها أحكاما استثنائية في مجال الصفقات العمومية وهو ما سنتناوله فيما يلي:

أ‌- جريمة الرشوة في القطاع العام:

نظراً لخطورة جريمة الرشوة على القطاع العام فإن المشرع الجزائري خصّها بأحكام قانونية تحيط بكل التوقعات التي قد تشكل أحد صور هذه الجريمة ولعل ذلك يظهر في المادة 25 من القانون 06-01 أين نميز بين صورتين لجريمة الرشوة وهما:

- جريمة الرشوة الإيجابية: وهي قيام الجاني بوعد الموظف العمومي بمزية غير مستحقة أو عرضها عليه أو منحه إياها بشكل مباشر أو غير مباشر سواء كان ذلك لصالح هذا الموظف أو غيره أو لكيان آخر وذلك مقابل أداء عمل أو الامتناع عن أداء عمل من واجبات هذا الموظف، وقد يكون الجاني هنا هو صاحب المصلحة أو غيره لكنه لا يشترط أن يكون موظفاً عمومياً .

- جريمة الرشوة السلبية: وعلى العكس من جريمة الرشوة الإيجابية فالجاني هنا هو الموظف العمومي الذي يطلب أو يقبل بشكل مباشر أو غير مباشر مزية غير مستحقة سواء كانت لنفسه أو لغيره أو لكيان آخر لأداء عمل أو الامتناع عن أداء عمل من واجبات هذا الموظف.

وبالإضافة إلى الأركان المتعارف عليها في أية جريمة والتي هي الركن الشرعي والركن المادي والركن المعنوي يوجد ركن آخر بالنسبة لكل جرائم الفساد في القطاع العام والذي أطلق عليه البعض بالركن المفترض وهو وجوب وجود موظف عمومي في الجريمة .

فبالنسبة للركن الشرعي فنحن بصدد دراسته وفقاً لأحكام القانون 06-01 المعدل والمتمم في الباب الرابع المتعلق بالتجريم والعقوبات وأساليب التحري أما باقي الأركان فسنتطرق لها فيما يلي:

• الركن المفترض: يتطلب هذا الركن وجود موظف عمومي كطرف في جريمة الرشوة، ولقد صنفت المادة الثانية من القانون 06-01 المعدل والمتمم الموظف في ثلاث صور كما يلي:

((.........

ب‌) موظف عمومي:

1. كل شخص يشغل منصبا تشريعيا أو تنفيذيا أو إداريا أو قضائيا أو في أحد المجالس الشعبية المحلية المنتخبة، سواء أكان معينا أو منتخبا، دائما أو مؤقتا، مدفوع الأجر أو غير مدفوع الأجر، بصرف النظر عن رتبته أو أقدميته؛

2. كل شخص آخر يتولى ولو مؤقتا، وظيفة أو وكالة بأجر أو بدون أجر، ويساهم بهذه الصفة في خدمة هيئة عمومية أو مؤسسة عمومية أو أية مؤسسة أخرى تملك الدولة كل أو بعض رأسمالها، أو أية مؤسسة أخرى تقدم خدمة عمومية؛

3. كل شخص آخر معرف بأنه موظف عمومي أو من في حكمه طبقا للتشريع والتنظيم المعمول بهما....))

ورغم أن المشرع الجزائري قد عرف الموظف العمومي بالمادة 4 من الأمر 06-03 المؤرخ في 15/07/2006 المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العامة بأنه كل عون عُين في وظيفة عمومية دائمة ورُسم في رتبة السلم الإداري إلا أنه في الحقيقة يعتبر تعريف ضيق ومحدود نوعاً ما، لكن المشرع في قانون 06-01 أحاط بكل الاحتمالات المتوقعة للموارد البشرية التي تتواجد في القطاع العام وذلك نظراً للإحاطة بجرائم الفساد في هذا القطاع.

• الركن المادي: ويمثل هذا الركن في معظم الجرائم في ذلك السلوك الإنساني المحظور الذي يُحدث اخلالاً بأمن المجتمع وسلامته والذي يتجسد في شكل فعل أو الامتناع عن فعل ليتخذ بذلك مظهراً ملموساً يُجرمه القانون ويعاقب عليه .

ومن خلال ذلك وعلى أساس أن لجريمة الرشوة صورتان مثلما تم توضيحه فإن نطاق الركن المادي لجريمة الرشوة الايجابية يتمثل في الوعد أو العرض أو المنح للمزية سواء كان ذلك شفاهةً أو كتابياً أو بأية طريقة تثبت ذلك لصالح الموظف العمومي مقابل أدائه عملا أو الامتناع عن عمل من واجبته، أما بالنسبة للركن المادي لجريمة الرشوة السلبية فيرتكز على عملية طلب أو قبول الموظف العمومي للمزية وكذلك نظير مقابل أدائه عملا أو الامتناع عن عمل من واجبته.

• الركن المعنوي: وينحصر عادة الركن المعنوي لأية جريمة في عنصري العلم والارادة، فبالنسبة لعنصر العلم في كلا صورتي جريمة الرشوة فإنه من المستحيل أن لا يعلم الجاني بأنه أمام موظف عمومي أو بأنه هو في حد ذاته موظف عمومي ومن المستحيل أن لا يعلم بأنه وعد أو عرض أو منح أو طلب أو قبل العطية وبأن ذلك نظير العمل المسند لهذا الموظف، وذلك باعتبار أن جريمة الرشوة من الجرائم المقصودة أي أنها لا تقع نتيجة إهمال أو خطأ .

أما بخصوص عنصر الإرادة فيجب أن تتوفر إرادة الجاني في القيام بأحد الأفعال السابقة (الوعد، العرض، المنح، الطلب أو القبول للمزية) وأن ترتبط بأداء الموظف لعمل ما أو الامتناع عن عمل من واجبته، فينتفي القصد الجنائي عن الموظف الذي قبل واستلم مبلغاً من المال نظير مجهود له خارج نطاق الوظيفة أو عن الشخص الذي تظاهر بمنح مبلغ معين لموظف ما قصد الاطاحة به متلبساً.

ويعاقب المشرع الجزائري عند اجتماع هذه الأركان لجريمة الرشوة في القطاع العام بالحبس من سنتين (2) إلى عشر (10) سنوات وبغرامة من 200.000 دج إلى 1.000.000 دج.

ب‌- جريمة الرشوة في مجال الصفقات العمومية:

لقد خصص المشرع الجزائري أحكام أخرى لجريمة الرشوة في مجال الصفقات العمومية تناولتها المادة 27 من القانون 06-01 تمتد فيها عقوبة الحبس من (10) سنوات إلى (20) سنة وتتراوح فيها الغرامة من 1.000.000 دج إلى 2.000.000 دج وذلك نظراً لما تكتسيه الصفقات العمومية من أهمية في مختلف رهانات الدولة ونظراً للمبالغ الضخمة التي يتم تداولها في هذا المجال على اعتبار أنها دائماً تمثل بؤرة لممارسة كل أشكال الفساد الإداري والمالي.

ولقد اعتمد المشرع في هذه الجريمة صورة جريمة الرشوة السلبية فقط، لتتضح أركانها كما يلي:

الركن المفترض: وهو الموظف العمومي مثلما تم توضيحه سابقاً.

الركن المادي: ويتمثل في عملية قبض أجرة أو منفعة مهما يكون نوعها أو محاولة ذلك سواء لهذا الموظف الجاني أو لغيره بصفة مباشرة أو غير مباشرة وذلك بمناسبة إجراءات التحضير أو المفاوضات في إبرام أو تنفيذ الصفقات أو العقود أو الملاحق التي تكون باسم الدولة أو الجماعات المحلية أو المؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري أو المؤسسات العمومية ذات الطابع الصناعي والتجاري أو المؤسسات العمومية الاقتصادية .

الركن المعنوي: وهو ذاته الركن المعنوي المتطلب لجريمة الرشوة في القطاع العام.

• جريمة الامتيازات غير المبررة في مجال الصفقات العمومية

ونظراً للأهمية البالغة التي تكتسيها الصفقات العمومية في نجاح السياسة الاقتصادية للدولة فقد حاول المشرع حمايتها من كل جرائم الفساد حيث أضاف هذا القانون جريمة أخرى في هذا المجال تتمثل في جريمة الامتيازات غير المبررة في مجال الصفقات العمومية، حيث تقوم على منح الموظف العمومي الجاني عمداً لامتيازات غير مبررة للغير من خلال ممارسته لمهامه المتعلقة بإبرام العقود أو الصفقات أو الاتفاقيات، كما تقوم على استفادة كل شخص طبيعي أو معنوي من سلطة أعوان الهيئات العمومية التي تعاقد معها من أجل الحصول على امتيازات غير مبررة .

ج‌- رشوة الموظفين العموميين الأجانب وموظفي المنظمات الدولية العمومية:

على غرار ذلك من الصور لجريمة الرشوة في القطاع العام فإن المشرع لم يكتفي بذلك وذهب إلى أبعد من ذلك، حيث امتد تجريمه لها حتى في القطاعات الأجنبية وفي المنظمات الدولية العمومية، حيث جاءت أركانها كما يلي:

الركن المفترض: لقد خص المشرع في هذا القانون بحماية كل من القطاع العام الأجنبي والمنظمات الدولية العمومية من جريمة الرشوة وذلك وفقاً لما جاءت به اتفاقيتي الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي، وتم كذلك تعريف المصطلحين: موظف عمومي أجنبي وموظف منظمة دولية عمومية باعتبارهما الركن المفترض لمختلف جرائم الفساد التي قد تقع عليهم وخاصة جريمة الرشوة، وجاء تعريفهما في المادة الثانية من القانون 06-01 كما يلي:

((........

ج‌) "موظف عمومي أجنبي" : كل شخص يشغل منصبا تشريعيا أو تنفيذيا أو إداريا أو قضائيا لدى بلد أجنبي، سواء كان معينا أو منتخبا، وكل شخص يمارس وظيفة عمومية لصالح بلد أجنبي، بما في ذلك لصالح هيئة عمومية أو مؤسسة عمومية.

د‌) موظف منظمة دولية عمومية: كل مستخدم دولي أو كل شخص تأذن له مؤسسة من هذا القبيل بأن يتصرف نيابة عنها. ..........))

وما يُلاحظ هنا بأن المشرع الجزائري قد تاثر في تعريفه للموظف العمومي الأجنبي بالتعاريف التي قدمتها كل من اتفاقية مكافحة رشوة الموظفين العموميين الأجانب في المعاملات التجارية الدولية واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

الركن المادي: وفقاً المادة 28 من القانون 06-01 فإن جريمة الرشوة بالنسبة للموظفين الأجانب وبالنسبة للمنظمات الدولية العمومية قد تكون إيجابية وقد تكون سلبية:

- فإن كانت إيجابية فركنها المادي هو قيام أي شخص بوعد الموظف العمومي الأجنبي أو موظف المنظمة الدولية العمومية بمزية غير مستحقة أو عرضها عليه أو منحه إياها بشكل مباشر أو غير مباشر سواء كان ذلك لصالح هذا الموظف أو لغيره أو لأي كيان آخر وذلك مقابل أدائه عملاً أو الامتناع عن أداء عمل من واجباته بغرض الحصول أو المحافظة على صفقة أو أي امتياز غير مستحق ذي صلة بالتجارة الدولية أو بغيرها.

- أما بالنسبة للجريمة السلبية والتي يكون فيها الجاني هو الموظف العمومي الأجنبي أو موظف المنظمة الدولية العمومية فركنها المادي يتمثل في طلبه أو قبوله مزية غير مستحقة بشكل مباشر أو غير مباشر سواء لنفسه أو لغيره أو لأي كيان آخر كي يقوم بأداء عمل أو الامتناع عن أداء عمل من واجباته.

أما فيما يخص الركن المعنوي فهو ذاته المتطلب لجريمة الرشوة عموما مثلما تم توضيحه سابقاً.

ويعاقب المشرع الجزائري على مختلف صور هذه الجريمة بالحبس من سنتين (2) إلى عشر (10) سنوات وبغرامة تتراوح من 200.000 دج إلى 1.000.000 دج، كما يمكن أن يحكم القاضي بعقوبة أو أكثر من العقوبات التكميلية المنصوص عنها في قانون العقوبات وفي المقابل هناك من الأعذار القانونية التي قد تؤدي إلى رفع العقاب أو تخفيضه .

د‌- جريمة الرشوة في القطاع الخاص:

وفق ما هو متعارف عليه فإن المشرع الإنجليزي كان الأسبق في تجريم الرشوة في القطاع الخاص سنة 1906 وهكذا سارت معظم الدول تدريجياً نحو تجريمها ، لكن المشرع الجزائري لم ينظم جريمة الرشوة في القطاع الخاص إلا بموجب المادة 40 من القانون 06-01 وهو ما يعتبر قفزة نوعية نحو إثراء المنظومة القانونية الجزائرية،

ومن خلال نص المادة 40 من القانون 06-01 اتخذ المشرع الجزائري نفس الصور السابقة لهذه الجريمة، فبالنسبة للصورة الإيجابية لجريمة الرشوة في القطاع الخاص يقتصر كذلك ركنها المادي على الوعد أو العرض أو المنح للمزية غير المستحقة لأي شخص يدير كياناً من القطاع الخاص مقابل أداء عمل أو الامتناع عن أداء عمل من واجباته، بينما يقتصر الركن المادي لجريمة الرشوة السلبية في القطاع الخاص على طلب أو قبول أي شخص يدير كياناً من القطاع الخاص لمزية غير مستحقة مقابل أدائه عملا أو الامتناع عن أداء عمل من واجباته، ليبقى الركن المعنوي ذاته المتطلب في جريمة الرشوة عموماً.

غير أن العقوبة ليست ذاتها المسلطة على الصور السابقة بل تبدو أقل حدة منها، حيث يعاقب المشرع الجزائري على جريمة الرشوة في القطاع الخاص بالحبس من ستة (6) أشهر إلى خمس سنوات (5) سنوات وبغرامة من 50.000 دج إلى 500.000 دج.

2- جريمة اختلاس الممتلكات في القطاع العام والخاص:

أ‌- جريمة اختلاس الممتلكات في القطاع العام:

تعرض المشرع الجزائري لجريمة الاختلاس سابقاً في قانون العقوبات بموجب المادة 119 منه الملغاة حيث تأثر كثيراً بالتحولات الاقتصادية والسياسية التي شهدتها الجزائر مما أدى به إلى تعديلها عديد المرات إلى أن استقر على اخراجها من أحكام قانون العقوبات وتضمينها بالمادة 29 من القانون 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته.

ومن خلال أحكام المادة 29 من القانون 06-01 والتي تم تعديلها بأحكام القانون 11-15 السالف الذكر نظم المشرع جريمة الاختلاس واتخذ لها عنوان "اختلاس الممتلكات من قبل موظف عمومي أو استعمالها على نحو غير شرعي" وهو بذلك يؤكد على الركن المفترض والمتمثل في أن يكون الجاني موظفاً عمومياً.

وتجدر الاشارة إلى أنه قد تم تعريف الممتلكات في المادة الثانية من هذا القانون على أنها كل الموجودات بأنواعها سواء كانت مادية أو غير مادية أو كانت منقولة أو غير منقولة أو كانت ملموسة أو غير ملموسة أو كانت عبارة مستندات أو سندات قانونية تثبت ملكية تلك الموجودات أو وجود الحقوق المتصلة بها.

ونظراً لخطورة هذه الجريمة على القطاع العام وعلى المجتمع باعتبارها صورة عن خيانة الأمانة بالنسبة لكل ما عُهد إلى الموظف العمومي فإن المشرع الجزائر وفي هذا القانون خصها باستثناءات كمدة تقادم الدعوى العمومية المتعلقة بها التي أقر بأنها تساوي الحد الأقصى للعقوبة أي عشر (10) سنوات وذلك بموجب المادة 54 من القانون 06-01، مع العلم أن العقوبة عن هذه الجريمة تتراوح من سنتين (2) إلى عشر (10) سنوات وبغرامة من 200.000 دج غلى 1.000.000 دج.

وعلى أساس ذلك حدد المشرع الركن المادي لهذه الجريمة بالتبديد العمدي أو الاختلاس أو الإتلاف أو الاحتجاز بدون وجه حق أو الاستعمال على نحو غير شرعي لصالح الموظف العمومي الجاني أو لغيره أو لأي كيان وذلك لأي ممتلكات أو أموال أو أوراق مالية عمومية أو خاصة أو أي أشياء أخرى ذات قيمة تحت عهدة هذا الموظف أو بسببها.

ومن خلال ذلك يقوم الركن المادي لهذه الجريمة على عنصرين أولهما فعل الاختلاس والثاني محل الاختلاس الذي ينصب عليه فعل الجاني وهو عبارة عن ممتلكات عمومية.

وكل هذه الأفعال لها معنى خاص فيقصد بالتبديد لغةً: بالتفريق أي أنه اصطلاحاً تعني تفريق الممتلكات أو الأموال العمومية في غير موضعها القانوني ويشترط المشرع في ذلك أن تكون بصورة عمدية، بينما يرى البعض بأن التبديد يتمثل في التصرف بالمال بإنفاقه أو إفنائه بعد أن تم اختلاسه أي أن التبديد تصرف لاحق للاختلاس .

بينما يقصد بالاختلاس لغةً: وهو من الخلس أي الأخذ في نزهة تليها مُخاتلة وذلك ما ينطوي اصطلاحاً على الجاني المختلس الذي يُظهر أماناً تاماً للممتلكات والأموال العمومية لينقلها بعد ذلك إلى ملكيته أو حيازته التامة.

ويركز البعض بأن للإختلاس معنيين أحدهما معنى عام يعبر على انتزاع الحيازة المادية للشيء من يد صاحبه إلى يد الجاني ومعنى خاص يُفترض فيه وجود حيازة سابقة للجاني ومعاصرة للحظة ارتكاب النشاط الاجرامي وهو ما قصده المشرع الجزائري في أحكام المادتين 29 و 41 من القانون 06-01.

أما بالنسبة للمقصود بالإتلاف لغةً فهو يعني الهلاك أو العطب في كل شيء أي أنه اصطلاحاً إهلاك كل ما عهُد للموظف العمومي الجاني وبالتالي اعدام استعماله مرة أخرى، غير أنه كان من المفروض على المشرع أن يعتد بالإتلاف العمدي فقط في هذه الجريمة نظراً إلى أنه من المتعارف عليه بأن لكل الأشياء المادية مدة اهتلاك يُعتد بها تحدد سلفاً من طرف المُصنع خاصة فيما يتعلق بالأجهزة والأدوات المتواجدة في أماكن العمل.

أما بخصوص فعل الاحتجاز لغةً فمصدره الفعل حجز أي فصل بين شيئين أي أنه اصطلاحاً فصل الممتلكات العمومية عن وجهتها أو موضعها الحقيقي وذلك بدون وجه حق أي دون أن يكون لهذا الموظف العمومي أي حق لوضعها في غير مكانها القانوني، كأن يحتفظ لديه أمين الصندوق لهيئة عمومية بالإيرادات النقدية اليومية أو يقوم بإيداعها في حسابه الشخصي والتي من المفروض يكون إيداعها بحساب الهيئة .

كما يقصد بعبارة الاستعمال على نحو غير شرعي بالاستعمال غير القانوني للممتلكات العمومية كأن يقوم الموظف العمومي باستعمال الأموال العمومية المعهودة إليه في أعماله الخاصة كالتجارة بها أو استثمارها والتصرف بها كأنها أمواله الخاصة

وتجدر الإشارة بأنه تم إضافة كل من الإتلاف والاستعمال على نحو غير شرعي في المادة 29 من القانون 06-01 فقط، حيث أن المادة 119 الملغاة من قانون العقوبات لم ترد فيها هذه الأفعال وقد يرجع ذلك لغرض إحاطة المشرع الجزائري بكل احتمالات الاختلاس التي قد ترد على الممتلكات والأموال العمومية .

أما فيما يتعلق بالركن المعنوي لجريمة الاختلاس فيتوقف على توفر القصد الجنائي بما أنها جريمة عمدية، ولعل ذلك يتطلب عنصرين أساسيين هما العلم والإرادة، فبالنسبة لعنصر العلم فيجب أن يكون الجاني على علم تام بأركان الجريمة ومنها أن يكون عالماً بأنه موظفاً عمومياً وهو أمر مفروغ منه ولا يطرح أية اشكال بخصوص الأفعال السابقة.

أما بالنسبة لعنصر الإرادة فلا تقوم جريمة الاختلاس بإثبات الموظف العمومي الجاني إهماله أو تقصيره في الحفاظ على المال العام بل قد يُعاقب على جريمة الإضرار غير العمدي للمال العام وذلك بأن جريمة الاختلاس تتطلب القصد الجنائي الخاص وليس القصد الجنائي العام وهو ما يتضح أكثر لدى إحدى سلوكيات هذه الجريمة وهو التبديد العمدي حيث يعتبر مصطلح "عمدي" محور أساسي في الركن المعنوي لهذه الجريمة.

وقبل صدور القانون 06-01 كان هناك من يرى بضرورة وجود نية التملك لدى الموظف العمومي في هذه الجريمة ككل وبالتالي لا تقوم أفعال هذه الجريمة على من يستولي على المال لمجرد استعماله أو الانتفاع به ثم رده، لكن ومع صدوره وزيادة فعل الاستعمال على نحو غير شرعي أغلقت كل هذه الثغرات في وجه الموظف العمومي.

ب‌- جريمة اختلاس الممتلكات في القطاع الخاص:

لقد أخذ المشرع الجزائري كل احتياطاته في محاصرة جرائم الفساد حتى في القطاع الخاص، فبالإضافة إلى تنظيمه لجريمة الرشوة في هذا القطاع كما تم توضحه سابقاً فلقد نظم كذلك جريمة الاختلاس بموجب المادة 41 من القانون 06-01 في القطاع الخاص غير أنه وكعادته خفض العقوبة من ستة (6) أشهر إلى خمس (5) سنوات.

كما أنه قلص من مختلف الأفعال أو السلوكيات الموجودة في الركن المادي لجريمة الاختلاس في القطاع العام إلى سلوك الاختلاس العمدي فقط، حيث يقوم المستخدم في القطاع الخاص بتحويل الممتلكات من حيازة وقتية على سبيل الائتمان إلى حيازة نهائية على سبيل التملك .

سابقسابقنهاية
استقبالاستقبالاطبعاطبعتم إنجازه بواسطة سيناري (نافذة جديدة)