المـــــــــــــــحـــاضــــــــــــرة الثــــالــثــــــــة

أولاً: السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته

لقد أكدت المادة 204 من الدستور بأن هذه الهيئة هي عبارة عن مؤسسة مستقلة نظراً لما قد يعترضها في مهامها الصعبة للقضاء على الفساد، حيث تم النص على البعض من هذه المهام بموجب المادة 205 وتمثلت فيما يلي:

- وضع استراتيجية وطنية للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، والسهر على تنفيذها ومتابعاتها،

- جمع ومعالجة وتبليغ المعلومات المرتبطة بمجال اختصاصها، ووضعها في متناول الأجهزة المختصة،

- إخطار مجلس المحاسبة والسلطة القضائية المختصة كلّما عاينت وجود مخالفات، وإصدار أوامر، عند الاقتضاء، للمؤسسات والأجهزة المعنية،

- المساهمة في تدعيم قدرات المجتمع المدني والفاعلين الآخرين في مجال مكافحة الفساد،

- متابعة وتنفيذ ونشر ثقافة الشفافية والوقاية ومكافحة الفساد،

- إبداء الرأي حول النصوص القانونية ذات الصلة بمجال اختصاصها وعلى أساس ذلك يعتبرها البعض بأنها سلطة ذو طبيعة استشارية حتى وإن لم يؤخذ برأيها المقدم ،

- المشاركة في تكوين أعوان الأجهزة المكلفة بالشفافية والوقاية ومكافحة الفساد،

- المساهمة في أخلقة الحياة العامة وتعزيز مبادئ الشفافية والحكم الراشد والوقاية ومكافحة الفساد .

وتمت الإحالة في نهاية هذه المادة إلى صدور قانون ينظم ويحدد تشكيلة هذه الهيئة كما يمنحها صلاحيات أخرى وهو الذي جاء به القانون 22-08 السالف ذكره حيث تناول هذا الأخير صلاحياتها وتشكيلها وتنظيمها والأحكام المالية المتعلقة بها وأحكام أخرى في خمسة فصول.

لقد نصت المادة الثانية من القانون 22-08 المؤرخ في 05/05/2022 الذي يحدد تنظيم السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته وتشكيلها وصلاحياتها على أن: ((السلطة العليا مؤسسة مستقلة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري)) وهو ما يؤكد على الدوام حرص المشرع الجزائري على فرض قيم ومبادئ دولة المؤسسات في مختلف النصوص القانونية، وذلك من خلال اهتمامه بعنصر الاستقلالية لمختلف مؤسسات الدولة وتأكيده لما جاءت به المادة 204 من الدستور السالفة الذكر حيث تتضح استقلالية السلطة العليا في ضمان رئيس الجمهورية لذلك بتعيين رئيسها لمدة خمس (05) سنوات قابلة للتجديد.

ومن خلال ذلك فإنه لا يمكن للسلطة العليا انجاز مهامها إلا بوجودها في استقلالية تامة عن كل السلطات والهيئات العمومية والخاصة حتى تؤدي دورها على أكمل وجه وتضمن الحياد في مواجهة أي متعامل اقتصادي أو عون عمومي أو مُنتخب خاصة في إطار الحياة السياسية أو في إطار مختلف الشؤون العمومية .

وعلى أساس ذلك يؤكد البعض بأن السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته تعد من بين السلطات الإدارية المستقلة في الجزائر باعتبار ذلك أسلوب حديث في ممارسة السلطة العامة والذي بات يعتمد عليه المشرع الجزائري اليوم في من خلال مراقبة جميع المؤسسات والهيئات واخطار السلطة القضائية كلما تم اكتشاف وقائع ذات صبغة جزائية .

ولقد أكدت المادة الثالثة من القانون 22-08 أن مقر السلطة العليا يقع بمدينة الجزائر العاصمة على غرار مختلف مقرات ومعظم الهيئات الدستورية للدولة، غير أنه في الفصل الثاني المعنون بصلاحيات السلطة العليا تطرق المشرع الجزائري للأهداف السامية لها والمتمثلة في تحقيق أعلى مؤشرات النزاهة والشفافية في تسيير الشؤون العمومية باعتبارها النقطة المحورية الهامة التي بدورها تحقق عدة أهداف ثانوية كالحفاظ على المال العام والسير الحسن لمؤسسات الدولة وتحقيق برامج التنمية المفترضة وكذا أثره على الأفراد.

ومن خلال ذلك تطرقت المادة 04 من القانون 22-08 إلى صلاحيات أخرى غير التي تناولتها المادة 205 من الدستور وهي كالتالي:

- تجميع واستغلال ونشر أي معلومات وتوصيات من شأنها أن تساعد الإدارات ومتابعتها؛

- التقييم الدوري لمختلف الأدوات القانونية المتعلقة بالشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته وكذا لمختلف التدابير الإدارية وفعاليتها في هذا المجال بالإضافة إلى اقتراح الآليات المناسبة لتطويرها وتحسينها؛

- تلقي التصريحات بالممتلكات الواردة إليها وضمان معالجتها ومراقبتها وفقا للتشريع الساري المفعول؛

- التنسيق والمتابعة الدورية لمختلف الأنشطة والأعمال المنجزة والمتعلقة بالوقاية من الفساد ومكافحته على أساس التقارير الدورية والمنتظمة المدعمة بالإحصائيات والتحاليل والواردة إليها من قبل القطاعات والمتدخلين المعنيين؛

- إشراك المجتمع المدني في مجال الشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته وتوحيد ودعم وترقية أنشطته في ذات المجال؛

- تكريس وتفعيل قواعد الشفافية والنزاهة في تنظيم مختلف الأنشطة الخيرية والدينية والثقافية والرياضية وفي المؤسسات العمومية والخاصة وذلك على أساس إعداد حيز عمل الأنظمة المناسبة للوقاية من الفساد ومكافحته، وهو ما يعكس الدور الرقابي الذي أصبحت تمارسه السلطة العليا على عكس نظيرتها سابقاً الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته؛

- تطوير التعاون مع الهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية المختصة بالوقاية من الفساد ومكافحته؛

- إعداد وانجاز تقارير دورية لتقييم تنفيذ تدابير وإجراءات الشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته وفقًا للأحكام المتضمنة في الاتفاقيات؛

- التعاون مع الهيئات على المستوى الدولي ومع الأجهزة والمصالح المعنية بمكافحة الفساد؛

- إعداد تقرير سنوي حول مختلف نشاطات السلطة ترفعه إلى رئيس الجمهورية وإعلام الرأي العام بمحتواه تكريساً للشفافية.

وبالإضافة إلى هذه المهام فإن القانون 22-08 أعطى للسلطة العليا مهام أخرى كتوليها متابعة التحريات الإدارية والمالية في جريمة الإثراء غير المشروع لدى الموظف العمومي الذي لا يمكنه تبرير الزيادة المعتبرة في ذمته المالية ومتابعة أي شخص له علاقة بذلك ، كما تتولى السلطة متابعة مدى امتثال مختلف الادارات والمؤسسات للالتزام بتطبيق قواعد الشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته وفي هذا الشأن قد تقوم السلطة بتوجيه توصيات قصد الحد من هذه الانتهاكات في الادارات أو المؤسسات المعنية وتقوم هذه الأخيرة بإنجاز تقرير ترد فيه الى السلطة عن مدى تنفيذ توصياتها.

كما تجدر الاشارة بأنه يجوز تبليغ أو إخطار السلطة العليا من قبل أي شخص طبيعي أو معنوي يمتلك أدلة تتعلق بأفعال الفساد على أن يكون ذلك كتابياً وموقعاً وبه جميع معلومات المبلَغ وكذا حيثيات أو عناصر الأفعال المتعلقة بالفساد.

وعندما تتوصل السلطة العليا إلى وقائع تحتمل الوصف الجزائي لإحدى جرائم الفساد تقوم بإخطار النائب العام المختص إقليمياً، كما يمكنها إخطار مجلس المحاسبة إذا كانت هذه الوقائع أو الأفعال من بين اختصاصاته.

وتتشكل السلطة العليا من جهازين هما:

1) رئيس السلطة العليا:

ويكون تعيين رئيس السلطة العليا من طرف رئيس الجمهورية لعهدة مدتها خمس (05) سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، حيث تتنافى هذه العهدة مع أية عهدة أو وظيفة أو نشاط مهني آخر ، ويعتبر الرئيس هو الممثل القانوني للسلطة العليا حيث يمارس الصلاحيات التالية:

- إعداد مشروع الاستراتيجية الوطنية للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته والقيام بمتابعة تنفيذها،

- إعداد كل من مشروع مخطط عمل السلطة العليا ومشروع نظامها الداخلي ومشروع القانون الأساسي لمستخدميها ومشروع ميزانيتها السنوية وكذا مشروع تقريرها السنوي ورفعه إلى رئيس الجمهورية بعد مصادقة المجلس عليه،

- ممارسة السلطة السلمية على جميع مستخدمي السلطة العليا،

- إدارة وتنسيق أشغال مجلس السلطة العليا،

- إحالة كل الملفات التي تتضمن وقائع تحتمل الوصف الجزائي للنائب العام المختص إقليميا وتلك التي بإمكانها أن تشكل إخلالات في التسيير إلى رئيس مجلس المحاسبة، وهو ما يراه البعض فك رابط التبعية بين السلطة العليا والسلطة التنفيذية ومنحها استقلالية أكثر باعتبار أنه كانت في ما سبق تحول الملفات إلى وزير العدل وفق ما كان عليه الحال في المرسوم الرئاسي 06-413 المؤرخ في 22/11/2006 المحدد لتشكيلة الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته وتنظيمها وكيفيات سيرها المعدل والمتمم

- تطوير التعاون الدولي في مجال الوقاية من الفساد ومكافحته،

- التنسيق مع المجلس دورياً بشأن مسار التبليغات والإخطارات والتدابير المتخذة بشأنها .

2) مجلس السلطة العليا:

يعتبر المجلس الهيئة التنفيذية للسلطة العليا حيث يقوم رئيس السلطة العليا برئاسة هذا المجلس والمتكون من اثنا عشر (12) عضوا آخرين يتم اختياركم كما يلي:

1- ثلاثة (03) أعضاء يقوم رئيس الجمهورية باختيارهم من بين الشخصيات الوطنية المستقلة؛

2- ثلاثة (03) قضاة، أحدهم من المحكمة العليا وأحدهم من مجلس الدولة والآخر من مجلس المحاسبة يتم اختيارهم على التوالي من قبل المجلس الأعلى للقضاء ومجلس قضاة مجلس المحاسبة؛

3- ثلاث (03) شخصيات مستقلة يتم اختيارهم على أساس الكفاءة في الشؤون المالية أو القانونية وعلى أساس النزاهة والخبرة في مجال الوقاية من الفساد ومكافحته على التوالي من قبل رئيس مجلس الأمة ورئيس المجلس الشعبي الوطني والوزير الأول أو رئيس الحكومة حسب الحالة؛

4- ثلاث (03) شخصيات من المجتمع المدني يختارهم رئيس المرصد الوطني للمجتمع المدني من بين الأشخاص المعروفين باهتمامهم بالقضايا المتعلقة بالوقاية من الفساد ومكافحته .

والجدير بالذكر هنا أن عملية اختيار هؤلاء الأعضاء المنصوص عنها في المادة 23 من القانون 22-08 تتم بدون أية وسائل قانونية متعارف عليها كالانتخاب مثلاً أو وفق معايير علمية محددة بل تُركت لعملية الاختيار فقط وهي عملية واسعة النطاق وغير مضبوطة قانونياً مما قد يؤدي بها إلى الانحراف نحو عوامل سياسية أو جهوية أو غيرها من العوامل المؤثرة، غير أن الجانب الإيجابي هنا هو إضافة ممثلي السلطة القضائية من قضاة وهم من أهل الاختصاص مما يسهل في مهام المجلس.

ومما يزيد المجلس قوة أن هؤلاء الأعضاء يتم تعيينهم بموجب مرسوم رئاسي ولمدة خمس (05) سنوات غير قابلة للتجديد، كما يستفيدون من كل التسهيلات والحماية القانونية الكاملة أثناء ممارسة مهامهم أو بمناسبتها بالإضافة إلى التعويضات المالية اللازمة.

ومن خلال ذلك يتضح بأن هناك فرق شاسع بين رئيس السلطة العليا وأعضائها من حيث قابلية تجديد فترة العهدة، ففترة عهدة الرئيس قابلة للتجديد مرة واحدة بينما لا يمكن تجديد فترة عهدة أعضاء السلطة العليا، ويرجع الأمر بطبيعة الحال إلى قوة السلطة التنفيذية وفرضها نفسها على الدوام في مختلف مستويات ميكانيزمات الحكم.

ورغم ذلك فهناك من يرى بأن عهدة رئيس السلطة العليا تبقى مهددة بما ورد في أحكام المادة 26 من القانون 22-08 خاصة في حالتين هما:

- إدانة رئيس السلطة العليا بجناية أو جنحة عمدية؛

- قيام الرئيس بأعمال أو تصرفات خطيرة تتنافى والتزاماته كعضو في السلطة العليا.

وكغيرهم من أعضاء الهيئات الدستورية الأخرى يؤدي رئيس وأعضاء مجلس السلطة العليا اليمين القانونية المنصوص عنها في نص المادة 25 من القانون 22-08 أمام مجلس قضاء الجزائر العاصمة.

ولقد عددت المادة 26 من القانون 22-08 حالات فقدان العضوية في السلطة العليا في عدة حالات هي كالآتي:

1- انتهاء العهدة والمقدرة بخمس (05) سنوات غير قابلة للتجديد؛

2- الاستقالة؛

3- فقدان الصفة التي عين العضو بموجبها، كأن يفقد العضو المختار بصفته قاضياً بعزله أو تقاعده من مهنة القضاء؛

4- إدانة عضو السلطة العليا بجناية أو جنحة عمدية خلال فترة عضويته؛

5- الوفاة؛

6- الإقصاء بسبب الغياب بدون سبب مشروع عن ثلاثة (03) اجتماعات متتالية للمجلس، وهي حالة تبرز مدى إهمال العضو للقيمة المهنية لعضويته في هيئة دستورية تحث على الشفافية وتعمل على الوقاية من الفساد ومكافحته؛

7- القيام بأعمال أو تصرفات خطيرة تتنافى والتزاماته كعضو في السلطة العليا ، ورغم أن هذه الأعمال أو التصرفات لم تحدد بدقة وتُركت واسعة المجال إلا أنه من الملاحظ والأكيد أن تكون تتنافى مع قيم الشفافية والنزاهة؛

ويصدر قرار فقدان الصفة في الحالتين الأخيرتين عن مجلس السلطة العليا بالتصويت عليه بالأغلبية المطلقة لأعضائه.

كما حددت المادة 29 من القانون 22-08 مهام مجلس السلطة العليا في النقاط التالية:

- دراسة مشروع الاستراتيجية الوطنية للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته والمصادقة عليه ؛

- الدراسة والمصادقة على مشروع مخطط عمل السلطة العليا المُعد من طرف رئيس السلطة العليا والمعروض عليه من طرفه؛

- إصدار الأوامر إلى مختلف المؤسسات والهيئات والأجهزة المعنية في حالة الإخلال بالنزاهة؛

- الموافقة على مشروع ميزانية السلطة العليا وعلى النظام الداخلي لها وعلى التقرير السنوي لنشاطاتها؛

- دراسة الملفات المعروضة من طرف رئيس السلطة العليا والتي يُحتمل أن تتضمن أفعال فساد؛

- إبداء الرأي بشأن المسائل المعروضة على السلطة العليا من طرف الحكومة أو البرلمان أو هيئة أو مؤسسة أخرى ذات العلاقة باختصاصاتها؛

- إبداء الرأي بشأن مشاريع التعاون الدولي في مجال الوقاية من الفساد ومكافحته مع مختلف الهيئات والمنظمات الدولية ؛

ومن خلال هذه المهام الموكلة إلى مجلس السلطة العليا فإنه يجتمع دورياً مرة واحدة (01) على الأقل كل ثلاثة (03) أشهر بناء على استدعاء من رئيس السلطة العليا، كما يمكنه استثنائياً الاجتماع بناء على استدعاء الرئيس تلقائياً أو بناء على طلب من نصف (1/2) أعضائه على الأقل، ويمكن أن يعين الرئيس من ينوبه في رئاسة المجلس في حالة تعذر حضوره.

وللتذكير فإن مداولات مجلس السلطة العليا تكون سرية ولا تصح إلا بحضور نصف الأعضاء (1/2) على الأقل، كما أنه يُمنع حضور أي عضو من أعضاء المجلس للمداولات في قضية تربطها فيها صلة قرابة أو مصاهرة أو مصلحة مباشرة أو غير مباشرة، آنية أو سابقة خلال السنوات الخمس (05) التي سبقت هذه المداولات.

وبموجب المادة 34 من القانون 22-08 يتخذ المجلس قراراته بأغلبية الأعضاء الحاضرين إلا في حالتي فقدان العضوية الواردتين في آخر نص المادة 26 من القانون 22-08 والمتعلقتين بحالة الإقصاء بسبب الغياب بدون سبب مشروع عن ثلاثة (03) اجتماعات متتالية للمجلس وبحالة القيام بأعمال أو تصرفات خطيرة تتنافى والتزاماته كعضو في السلطة العليا؛ فإن التصويت هنا يكون بالأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس.

سابقسابقمواليموالي
استقبالاستقبالاطبعاطبعتم إنجازه بواسطة سيناري (نافذة جديدة)