ثانياً: مبررات المشرع الجزائري في اتخاذ قانون مستقل للوقاية من الفساد ومكافحته:
تختلف مبررات المشرع الجزائري في اتخاذ قانون مستقل للوقاية من الفساد ومكافحته إلى العديد من النقاط الهامة سواء على الصعيد السياسي أو القانوني أو الاقتصادي، وفيما يلي أهمها:
1- مصادقة الجزائر على كل من اتفاقيتي الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي لمكافحة الفساد:
على اثر مصادقة الجزائر بتحفظ على اتفاقية الأمم المتحدة بموجب المرسوم الرئاسي 04-128 المؤرخ في 19/04/2004 ومصادقتها على اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمكافحة الفساد بموجب المرسوم الرئاسي 06-137 المؤرخ في 10/04/2006 باعتبارها طرفاً فيها أصبح على عاتقها التزاماً دولياً بتنفيذ محتوى هاته الأحكام عن طريق التشريعات والتنظيمات الوطنية، حيث يمكن لها أن تعتمد تدابير أكثر صرامة مما تضمنته تلك الاتفاقيات من أجل قمع الفساد ومكافحته ، وهو ما اتخذه المشرع الجزائري بعد حوالي أكثر من سنتين ليعمل على اصدار القانون 06-01 المؤرخ في 20/02/2006 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته.
ودون أن ننسى بأن الجزائر كانت قد صادقت بتحفظ على اتفاقية الأمم المتحدة ضد الجريمة المنظمة عبر الوطنية المعتمدة من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في 15 نوفمبر 2000 والتي دخلت حيز التنفيذ في 29 سبتمبر 2003 وذلك بموجب المرسوم الرئاسي 02-55 المؤرخ في 05/02/2002، حيث جاء في مادتيه الثامنة (8) والتاسعة (9) على تجريم الفساد وتدابير مكافحته لتعتبر هذه المواد أولى الأحكام القانونية التي أسست لمكافحة الفساد.
وفي سنة 2014 قامت الجزائر بالمصادقة كذلك على الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد المعتمدة بالقاهرة في 21/12/2010 بموجب المرسوم الرئاسي 14-249 المؤرخ في 08/09/2014.
2- اعتماد سياسة الوقاية من الفساد ومكافحته وتعزيز النزاهة والمسؤولية والشفافية في مختلف القطاعات:
وهو ما جاءت به المادة الأولى من هذا القانون كأهداف عامة له، حيث تعتبر في الأصل كل هذه النقاط من قبيل أهداف السياسة العامة للدول خاصة وأن دول العالم الثالث وحتى الدول النامية تحتل دوماً ذيل ترتيب الدول وفق مؤشرات الفساد ومعايير النزاهة والشفافية المعتمدة من طرف بعض المنظمات كمنظمة الشفافية الدولية ، على غرار ترتيب الدول الاسلامية لدى ذات الهيئة والذي يبين عدم تلاؤم مبادئ الشريعة الاسلامية مع نتائج هذه المؤشرات .
ولهذا تم اعتماد هذه السياسة الجزائية الحديثة والمتمثلة في السياسة الوقائية من جرائم الفساد حيث تتمثل هذه السياسة في وضع الأطر القانونية اللازمة لجرائم الفساد في نصوص قانونية خاصة وتحت رقابة هيئات عمومية خاصة حتى يتمكن أغلب أفراد المجتمع من معرفة خطورة هذه الأفعال والحكمة من تجريمها قانوناً، بالإضافة إلى ذلك تعتمد هذه السياسة على وضع تدابير وقائية كالاهتمام بعمليات التوظيف أو اعتماد نظام التصريح بالممتلكات أو وضع مدونات قواعد سلوك الموظفين العموميين وغيرها من التدابير.
3- تسهيل وتدعيم التعاون الدولي للوقاية من الفساد ومكافحته:
وهو ما جاء كهدف من أهداف هذا القانون في المادة الأولى منه، حيث أنه من خلال أحكام هذا القانون تم تخصيص العديد من الاجراءات التي تدعم التعاون الدولي والمساعدات التقنية في قضايا الفساد كاسترداد الموجودات بين الدول وتقديم المعلومات والأرصدة المتواجدة بالخارج ومصادرة مختلف الممتلكات، وهو ما كانت ولازالت تحتاجه الجزائر بالفعل خاصةً وقت صدور هذا القانون جراء تضرر الخزينة العمومية من العديد من قضايا الفساد آنذاك.
4- وضع قانون مستقل خاص بجرائم الفساد التي تعتمد على صفة الموظف:
لقد عمد المشرع الجزائري على اخراج بعض الجرائم المتعلقة بالفساد الذي يمارسه الموظفون سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص من أحكام قانون العقوبات إلى قانون مستقل حتى يعطي لهذه الجرائم صبغة خاصة تحمل في طياتها ميزة وقائية تحذيرية لكل مستخدمي القطاعات لتصل إلى مخيلاتهم مدى اهتمام المشرع لمثل هذه الجرائم المتعلقة بالفساد، وهو في الحقيقة هدف جد مهم يعمل على تحضير العامل النفسي للعنصر البشري في مختلف القطاعات.
كما يعد هذا القانون تسهيلا اجرائيا للهيئات القضائية في قضايا الفساد حيث من خلاله تتضح كل الاجراءات القضائية الخاصة بجرائم الفساد وما لها من خصوصية في نص قانوني واحد.
وعلى أساس ذلك جاء القانون 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته بستة (06) أبواب قبل أن يُتمم بموجب الأمر 10-05 المؤرخ في 26/08/2010 ليضيف باباً سابعاً وهو الباب الثالث مكرر المتعلق بالديوان المركزي لقمع الفساد ، ليتم تعديله كذلك بموجب القانون 11-15 المؤرخ في 02/08/2011 بغرض تعديل أحكام المادتين 26 و 29 من القانون 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته .
وجاءت عناوين الأبواب كالآتي:
الباب الأول: أحاكم عامة
حيث تضمن أهداف هذا القانون وكذا التعريف بالمصطلحات الواردة فيه وهي: الفساد، الموظف العمومي، الموظف العمومي الأجنبي، موظف منظمة دولية عمومية، الكيان، الممتلكات، العائدات الاجرامية، التجميد أو الحجز، المصادرة، الجرم الأصلي، التسليم المراقب، الاتفاقية والهيئة .
الباب الثاني: التدابير الوقائية في القطاع العام
تضمن هذا الباب تدابير وقائية هامة جدا في القطاع العام واشتملت على: التوظيف، التصريح بالممتلكات، مدونات قواعد سلوك الموظفين العموميين، إبرام الصفقات العمومية، تسيير الأموال العمومية، الشفافية في التعامل مع الجمهور، التدابير المتعلقة بسلك القضاة، تدابير وقائية في القطاع الخاص، معايير المحاسبة العمومية في القطاع الخاص، مشاركة المجتمع المدني في مهمة الوقاية من الفساد ومكافحته، تدابير منع تبييض الأموال .
الباب الثالث: السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته
كان هذا الباب يتكلم عن النظام القانوني للهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته وكذا ضمانات استقلاليتها ومهامها وآليات تزويدها بالمعلومات والوثائق وعلاقتها بالسلطة القضائية وتقريرها السنوي ، لكنه سرعان ما تم تعويضها بالسلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته بموجب القانون 22-08 المؤرخ في 05/05/2022 الذي يحدد تنظيم السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته وتشكيلها وصلاحياتها والذي جاء تطبيقاً للمادتين 204 و 205 من الدستور الجزائري بعد تعديله سنة 2020.
وهو ما جاءت به الأحكام الختامية للقانون 22-08 حيث أقرت استبدال وتعويض الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته بالسلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته في كافة النصوص التشريعية والتنظيمية .
الباب الثالث مكرر: الديوان المركزي لقمع الفساد
لقد استُحدث هذا الباب سنة 2010 بموجب الأمر 10-05 المؤرخ في 26/08/2010 السالف ذكره لينشئ الديوان المركزي لقمع الفساد بهدف مهمة البحث والتحري عن جرائم الفساد .
الباب الرابع: التجريم والعقوبات وأساليب التحري
حدد المشرع في هذا الباب مختلف جرائم الفساد وما يقابلها من عقوبات وهي كالآتي: الرشوة والاختلاس في القطاع العام والقطاع الخاص، الغدر، استغلال النفوذ، إساءة استغلال الوظيفة، تعارض المصالح في الصفقات العمومية، أخذ فوائد بصفة غير قانونية، عدم التصريح أو التصريح الكاذب بالممتلكات، الإثراء غير المشروع، تلقي الهدايا، التمويل الخفي للأحزاب السياسية، تبييض العائدات الإجرامية، الإخفاء وإعاقة السير الحسن للعدالة، بالإضافة إلى ذلك تطرق هذا الباب أيضاً إلى بعض أساليب التحري والتدابير وهي: حماية الشهود والخبراء والمبلغين والضحايا، البلاغ الكيدي، عدم الإبلاغ عن الجرائم، الظروف المشددة، الإعفاء من العقوبات وتخفيفها، العقوبات التكميلية، التجميد والحجز والمصادرة، المشاركة والشروع، مسؤولية الشخص الاعتباري، التقادم، آثار الفساد، أساليب التحري الخاصة .
الباب الخامس: التعاون الدولي واسترداد الموجودات
لقد جاء هذا الباب بمختلف الآليات التي تعزز التعاون الدولي في قضايا الفساد وهي كما يلي: التعاون القضائي، منع وكشف وتحويل العائدات الإجرامية، التعامل مع المصارف والمؤسسات المالية، تقديم المعلومات، الحساب المالي المتواجد بالخارج، تدابير الاسترداد المباشر للممتلكات، استرداد الممتلكات عن طريق التعاون الدولي في مجال المصادرة، التجميد والحجز، رفع الإجراءات التحفظية، طلبات التعاون الدولي بغرض المصادرة، تنفيذ أحكام المصادرة الصادرة عن جهات قضائية أجنبية، التعاون الخاص والتصرف في الممتلكات المُصادرة .
الباب السادس: أحكام مختلفة وختامية
تضمن الباب الأخير من هذا القانون إلغاء كل المواد المخالفة لأحكامه وتعويضها بمواد هذا القانون .
ويتم شرح هذه الأبواب أكثر في المحاور التالية.





