المـــــــــــــــحـــاضــــــــــــــرة الأولـــــــــى

أولاً: مفهوم الفساد

لكي نتمكن من الوصول إلى المفهوم الحقيقي للفساد يجب التطرق إلى تعريفه اللغوي والاصطلاحي ومختلف التشريعات التي تناولته.

1- مدلول الفساد لغةً:

لقد عُرف الفساد في معظم المعاجم على أنه نقيض الصلاح، حيث يُقال فَسَدَ يفْسُدُ ويَفْسِدُ وفَسُدَ فَسَاداً وفُسُوداً، فهو فَاسِدٌ وفَسِيدٌ فِيها، ويقال تفاسد القوم أي تدابروا وقطعوا الأرحام، واستفسد السلطان قائده إذا أساء إليه حتى استعصى عليه، والمفسدة خلاف المصلحة والاستفساد خلاف الاستصلاح .

ولقد ورد مصطلح الفساد في القرآن الكريم بمختلف مشتقاته (فسدت، يفسد، تفسدوا، يفسدوا، مفسد، مفسدون، مفسدين، فساد...) خمسين (50) مرة، وهذا إن دل إنما يدل على تنوع صوره بحسب ورود مصطلح الفساد في مختلف الآيات فنذكر على سبيل المثال الآية (11) من سورة البقرة وَ إِذَا قِيلَ لَهُم لاَ تُفْسِدُواْ فِي اْلأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونً حيث يقصد بالفساد هنا بالكفر والعمل بالمعصية.

2- المدلول الاصطلاحي للفساد:

أما اصطلاحاً فيعرفه البعض على أنه خروج الشيء عن الاعتدال بالقليل أو الكثير ، كما يعرفه آخرون بأنه تصرف وسلوك وظيفي سيء يخالف الإصلاح وهدفه الانحراف والكسب الحرام والخروج على النظام لأجل مصلحة شخصية ورغم كل هذه التعريفات وغيرها فهناك من يرى عدم وجود تعريف جامع للفساد مرده إلى كونه يتمتع بالمرونة مما يجعله قابلاً للتكيف بين الإيديولوجيات والمرجعيات .

ويصنف قاموس أكسفورد الإنجليزي معاني الفساد إلى فساد مادي يؤدي إلى اتلاف وتفكك الشيء وإلى فساد معنوي يؤدي إلى تدهور أخلاقي مثل الفساد السياسي وإلى فساد يحرف الشيء عن حالته الأصلية من الاعتدال والنقاء ، أو الخروج من الأصل أو من النقي أو الصحيح.

كما يصنفه آخرون إلى فساد عضوي وفساد أخلاقي وفساد قانوني (فساد الوظيفة العامة) بينما يعتمد البعض في تصنيفه على الجرائم المرتكبة (فساد من منطلق الرشوة، محسوبية، استغلال المنصب العام، شراء أصوات الناخبين...) كما يصنفه آخرون إلى فساد من حيث الوظيفة العامة وإلى فساد من حيث المصلحة العامة وإلى فساد من حيث الرأي العام.

ومن خلال ذلك يبدو بأن التصنيف الأكثر رواجاً للفساد يكمن في الأنماط التالية:

1- فساد القمة أو ما يسمى بالفساد الرئاسي نظراً لارتباطه برأس الدولة؛

2- الفساد المؤسسي: وقد يشمل أهم مؤسسات الدولة مثل الوزارات، البرلمان، الأحزاب، الهيئات القضائية، المؤسسات العسكرية...

3- الفساد الصغير وهو نمط ذو مستوى قاعدي وبشكل يومي في أوساط العامة ينجم عن تدهور العلاقة بين الحاكم والمحكوم وكذا من خلال اللامساواة في توزيع الثروات في البلاد وانعدام العدالة،

4- الفساد الكبير وهو نمط من الفساد الذي تكون أطرافه متكونة من شبكة من كبار المسؤولين وتكون أرقام عائداته الإجرامية خيالية قد تتعدى ملايين أو ربما مليارات الدولارات.

3- التعريفات التشريعية للفساد:

لقد تم تعريف الفساد لدى العديد من الهيئات الدولية قبل أن يتم تعريفه تشريعياً، فعرفه البنك الدولي على أنه "إساءة استعمال السلطة الموكلة لتحقيق مكاسب خاصة" ، كما عرفه صندوق النقد الدولي على أنه "استغلال الوظيفة العامة للحصول على مكاسب خاصة" ، وعرفته منظمة الشفافية الدولية للفساد بأنه كذلك سوء استعمال السلطة العامة لربح منافع خاصة أو بأنه عمل ضد الوظيفة العامة التي هي محل ثقة عامة.

غير أن المشروع الأولي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003 كان يعرف الفساد على أنه "القيام بأعمال تمثل أداء غير سليم للواجب، أو إساءة استغلال لموقع أو سلطة بما في ذلك أفعال الإغفال توقعاً لمزية أو سعياً للحصول على مزية يوعد بها أو تعرض أو تطلب بشكل مباشر أو غير مباشر أو إثر قبول مزية ممنوحة بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء للشخص ذاته أو لصالح شخص آخر" ، لكن نص الاتفاقية اكتفى بتحديد مجموعة أفعال الفساد وصوره والتي تمثلت في: الرشوة، الاختلاس، المتجرة بالنفوذ اساءة استغلال الوظيفة، الإثراء غير المشروع...

كما أن اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته لسنة 2003 اتخذت ذات الطريقة وعرفت الفساد في المادة الأولى منها على أنه مختلف الأعمال أو الممارسات بما فيها الجرائم ذات الصلة التي تحرمها أحكام الاتفاقية، حيث حددت المادة الرابعة (4) منها مختلف هذه الأفعال مثل الرشوة والاختلاس واساءة استعمال السلطة والكسب غير المشروع وغيرها من الجرائم .

وعلى خُطى الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي سار المشرع الجزائري بنفس الطريقة في تعريف الفساد حيث جاء في المادة الثانية من القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20/02/2006 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته المعدل والمتمم بأن الفساد يمثل كل الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع منه والتي انحصرت في الجرائم التالية: الرشوة والاختلاس في القطاع العام والقطاع الخاص، الغدر، استغلال النفوذ، إساءة استغلال الوظيفة، تعارض المصالح في الصفقات العمومية، أخذ فوائد بصفة غير قانونية، عدم التصريح أو التصريح الكاذب بالممتلكات، الإثراء غير المشروع، تلقي الهدايا، التمويل الخفي للأحزاب السياسية، تبييض العائدات الإجرامية، الإخفاء وإعاقة السير الحسن للعدالة.

ويصنف البعض الفساد إلى العديد من التصنيفات أهمها:

- من حيث القطاع المستهدف إلى فساد في القطاع العام وفساد في القطاع الخاص؛

- من حيث حجم عائدات جرائم الفساد إلى فساد كبير وفساد صغير؛

- ومن حيث المجال إلى فساد سياسي وفساد بيروقراطي أو إداري.

سابقسابقمواليموالي
استقبالاستقبالاطبعاطبعتم إنجازه بواسطة سيناري (نافذة جديدة)