شروحاتغادر

الحرب الأهلية الأمريكية (1860-1865)

ظروف وأسباب الحرب الأهلية الأمريكية

1/ مسألة الرقيق الأسود:

كانت حاجة الولايات الجنوبية في الولايات المتحدة ملحة لاستمرار تجارة الرقيق من أجل استخدام هؤلاء في النشاط الزراعي الذي كان يعتبر شريان الحياة الاقتصادية في الجنوب الذي يعتمد أساسا في مداخيله من العملة على المنتوجات الزراعية النقدية (السكر، البن، القطن...) التي يصدرها إلى أوربا، وبحجة حماية حقوق الإنسان (أوضاع الرقيق المزرية) رفض الشمال أو الولايات الشمالية استمرار تجارة الرقيق. وفي الواقع كان الشمال متخوفا من زيادة عدد سكان الجنوب ما يهدد الخريطة الديمغرافية ويقلب ميزان المعادلة البشري والسياسي لصالح الجنوب ويؤدي إلى انقسام المجتمع الأمريكي.

لذلك أقدمت بعض الولايات منع تجارة الرقيق وتحريرهم كما فعلت ماساتشوستس (1780) ونيويورك(1799)، وبنسلفينيا، ومنعت ولايات أخرى إدخال الرقيق (وسكانساس مشيغان، ألينوى، أنديا، أوهايو)، حتى بلغ 11 ولاية شمالية لا تقر الرق. ونتيجة لذلك هددت بعض الولايات الجنوبية بالانفصال عن الاتحاد، لأن هذه المسألة مصيرية لها بالنسبة لتطوير الزراعة.

2/مسألة تكساس: توسعت الولايات المتحدة على حساب المكسيك، فضمت منطقة تكساس، وكانت الأخيرة تمنع تجارة الرق(لأنها كانت تابعة للمكسيك الذي كان يحظر هذه التجارة)، وهو ما عمق الأزمة بين الشمال والجنوب، لأن تكساس كانت تقع ضمن المجال الجغرافي للولايات الجنوبية.

3/ الاختلاف القائم بين الشمال والجنوب:

تتميز الولايات الشمالية بالتقدم الصناعي والازدهار التجاري، وهي ذات موقع جغرافي استراتيجي يطل على ساحل المحيط الأطلسي (كثرة الموانئ والمراكز التجارية المهمة)، ومقارنة بالجنوب فإنها كانت أكثر تقدما في الفكر والثقافة والعلوم، وأنظمتها الداخلية أكثر استقرارا وانسجاما مع السكان ومع النظام الفدرالي، إلى جانب العوامل النفسية التي جعلت من الشماليين يشعرون بأنهم أصحاب الفضل في تكوين البلاد كونهم أول من وصل إليها وناضلوا من أجل استقلالها فمن بوسطن انطلقت الثورة ضد بريطانيا، هذا خلف عقدة لدى سكان الجنوب كونهم غير قادرين على منافسة الشمال في كل هذه المزايا، فتولدت لديهم نزعة الاستقلال، خاصة وأن عدد سكان الشمال كان يفوق الجنوب.

4/ الاختلاف في المسائل الاقتصادية بين الشمال والجنوب:

وهذا بسبب اختلاف النشاط الاقتصادي بين الشمال (الصناعة) والجنوب (الزراعة)، جعل الولايات الشمالية المصنعة تطالب الحكومة الفدرالية بإجراءات لتنشيط التجارة والصناعة، بفرض رسوم عالية على المصنوعات الأجنبية (لتشجيع المنتوج المحلي) وتحسين المواصلات وإحداث عملة مركزية وبنك وطني لتطوير الحركة المالية والتجارية والصناعية، هذه الإجراءات وجدت معارضة في الولايات الجنوبية الزراعية، فزيادة الرسوم على الواردات يؤدي بالمقابل إلى فرض رسوم عالية على الصادرات الزراعية الموجهة إلى أوربا ما يؤدي إلى كساد المنتوجات الزراعية الجنوبية. فضلا عن ذلك كان الشمال يرفض رغبة الجنوب في التوسع نحو الغرب لزيادة المساحة الزراعية، رأوا في ذلك خطرا من حيث هجرة اليد العاملة إلى هناك مما يؤدي إلى فقدان العمالة التي يحتاجها الشمال في الصناعة.

أطوار الحرب الأهلية الأمريكية

في سنة 1860 وصل ''إبراهم لنكولن'' عن الحزب الجمهوري إلى الرئاسة، وكان وقد وعد في حملته الانتخابية بإلغاء تجارة الرقيق، والقيام بإصلاحات اقتصادية منها حماية الصناعة الوطنية من المنافسة الأجنبية، وهو ما يهدد اقتصاد الولايات الجنوبية، على إثرها أعلنت كارولينا الجنوبية الانفصال عن الاتحاد الأمريكي تبعتها فلوريدا، ألباما، ميسيسيبي تكساس، لويزيانا، جورجيا، وانفصل بذلك الجنوب عن الشمال وفي سنة 1861 اجتمعت سبع ولايات جنوبية في ''مونتجمري'' وأطلقت على نفسها '' الولايات الأمريكية المتحالفة'' وانتخبت ''ديفيد جفرسون'' رئيسا مؤقتا لها.

رفضت ولايات الشمال (23 ولاية) الانفصال وقرر الرئيس الأمريكي ''لنكولن'' الإبقاء على الاتحاد الأمريكي بالدخول في حرب ضد الجنوب، فاندلعت المواجهات بين الشمال والجنوب.

لم يكن سكان الجنوب كلهم يؤيدون الانفصال بل حارب كثير منهم إلى جانب الشمال المؤيد للاتحاد الفدرالي ضد ثوار الجنوب، ضف إلى ذلك فإن السود أيدوا الشمال، لأن هذا الأخير كان يدافع عن قضيتهم وهي تحريرهم من ظلم أسيادهم.

اشتدت المواجهات سنة 1862 في مناطق عدة، وإن كانت المعارك قد دارت في معظم الأراضي الجنوبية، فإن الجنوبيين تمكنوا من الزحف نحو الشمال، وحققوا انتصارات، ووصلوا إلى مشارف ''بوسطن'' وباتوا يهددون العاصمة ''واشنطن''.

في عام 1863 بدأت ملامح النصر تتحول نحو الشماليين بعد أن تلاحقت الهزائم بجيش الجنوب، ثم جهز الشماليون جيشا كبيرا (1864) واخترقوا به ''جورجيا'' وأصبح على مشارف عاصمة الجنوب ''ريتشموند''، وبسبب الانهاك الذي حل بالجنوبيين نتيجة ضربات الشمال وضخامة الامكانيات العسكرية والصناعية والاقتصادية والبشرية ومناصرة الرقيق في الجنوب لجيش الشمال (يمثلون 03 ملايين من 09 ملايين مجموع سكان الجنوب)، استسلم قائد الجيش الجنوبي الثاني ''جونسون''، وألقي القبض على رئيس الجنوب ''جفرسون'' وما أن حلت سنة 1865 (ماي) حتى استسلمت كل مناطق المقاومة الجنوبية وعلى إثرها انتهت الحرب الأهلية.

نتائج الحرب الأهلية الأمريكية

  • إصدار الولايات المتحدة الأمريكية لقانون شامل يلغي تجارة الرق ودفع التعويضات الخاصة بتحرير الرقيق.

  • ظهور الحواجز النفسية بين الشمال والجنوب بالرغم من إعلان المصالحة.

  • توجه الحكومة الفدرالية نحو توثيق الروابط بين الشمال والجنوب وإزالة الحواجز النفسية بإحداث تنمية شاملة ومتوازنة وغرس الروح الوطنية والاتحاد.

  • المحافظة على الاتحاد بالقوة فخلفت هذه الحرب رغم الخسائر البشرية دولة وطنية مركزية قوية، رغم بقاء بعض النزعة الاقليمية.

  • استغلت الدول الأوربية الحرب الأهلية وتدخلت في شؤون القارة (إسبانيا، بريطانيا فرنسا) واعتبرت الولايات المتحدة ذلك خرقا لمبدأ '' مونرو ''.

  • انتهاج سياسة البناء الاقتصادي اعتمدت على إعادة ترميم ما خربته الحرب وإقامة بنية تحتية ضخمة قوية خاصة في مجال المواصلات والتصنيع وتخفيف الفوارق بين الشمال والجنوب، خاصة في المجال الاقتصادي (سياسة التوازن الجهوي).