أسباب الثورة الفرنسية
أ/الأسباب الفكرية:
تميز القرن 18م في أوروبا بتيار جارف من المعتقدات حتى سمي بعهد الاستنارة فبزغ بذلك نجم العديد من المفكرين والفلاسفة، أمثال ديفيد هيوم وجون لوك في انجلترا، كما قاد العديد من المفكرين في فرنسا تيارات فكرية هدفت للدفاع عن حقوق الأفراد وحرياتهم المدنية والدينية. فكان فولتير قائد المبشرين بالمذاهب الإنجليزية الجديدة في فرنسا، كما كان روسو ومونتسكيو من أشهر كتاب فرنسا يومئذ.
فولتير (1694-1778): كان أشهر كتاب القرن 18 وأقواهم أثرا، وقد كان لكتبه رواج عظيم. هاجم فولتير الكنيسة وأنكر عليها تدخلها في السياسة، وانصرافها عن المسائل الروحية، وتعسفها في مطالبة رعاياها بالطاعة العمياء، كما هاجم في عنف سياسة التعصب وعدم احترام مبدأ التسامح الديني، وأشار إلى تلك الاضطهادات التي تنزل بالبروتستانت في فرنسا. كما نادى فولتير بإصلاح القضاء عن طريق توحيد القانون في سائر أنحاء فرنسا وتطبيقه بطريقة عادلة وجعله واضحا للجميع، وتعديل قوانين العقوبة لاسيما الخاصة منها بالتعذيب.
مونتسكيو (1689-1755): انتقد مونتسكيو الكنيسة وسخر من سلطة البابا وما يدعي لنفسه من معجزات، وأظهر عداءه للكنيسة ورجالها الذين أحاطوا الدين والفلسفة والأخلاق بالغموض، فطعن في سياسة التعصب الديني ونادى بسياسة التسامح.
امتاز مونتسكيو على وجه الخصوص باهتمامه ببحث المشاكل الدستورية، وكان لكتابه (روح القوانين) الذي نشر عام 1748 رواج عظيم، والكتاب يتضمن عرض نظريات سياسة ومناقشة عامة لأنواع الحكم المختلفة، أودعه مختلف نظم الحكم، فكان كتابه موردا خصبا للسياسيين الذين يقع على عاتقهم أمر إعادة تنظيم طرق الحكم في بلادهم واستقوا منها ما راق لهم من أنظمة، فتأثر دستور الولايات المتحدة الأمريكية تأثرا بالغا بهذا الكتاب.
جان جاك روسو (1712-1778): رسم روسو معالم المجتمع الذي ينبغي أن يعيش فيه الإنسان الصالح، ولهذا الغرض كتب كتابه (العقد الاجتماعي)، والنقطة الأساسية التي يقوم عليها العقد الاجتماعي هي أن كل عضو ينزل عن حريته بمقدار ما ينزل عنها زملاؤه الآخرون، فيتساوون في قيم التضحية كما يتساوون في مقدار النفع الذي يحصلون عليه مجتمعين.
هذا ولم تقتصر الحركة الفكرية الأدبية والفلسفية التي ازدهرت في فرنسا، وأدت إلى إذكاء نار الثورة على جهود المفكرين سالفي الذكر فقد ظهرت عدة مؤلفات أخرى انتشرت في المجتمع الفرنسي رغم ما بذلته السلطات للحيلولة دون ذلك. نذكر منها مثلا (دائرة المعارف الكبرى) التي ظهرت في الفترة ما بين (1751-1772) في أربعة وثلاثين مجلدا وتضمنت تلخيصا للمعرفة الإنسانية وأشارت إلى الظلم السياسي والاجتماعي وإلى أوجه الفساد المتعددة في ذلك العصر، بالإضافة إلى تأثير أفكار الثورة الأمريكية.
ب/الأسباب السياسية:
تتلخص في انهيار النظام الحكومي، فقد كانت الحكومة في فرنسا مَلكية مطلقة بمعنى أن السلطة كلها كانت مركزة في يد الملك، وليست قسمة بينه وبين البرلمان كما كان الحال في إنجلترا حيث السلطان الفعلي في يد البرلمان، وقد أدى ذلك إلى قوة مركز الملكية في إنجلترا وضعف مركزها في فرنسا حيث اختل توازن القوى.
وقد فقدت فرنسا مكانتها في أوروبا في منتصف القرن الثامن عشر بسبب الهزائم التي نزلت بها على يد بروسيا، كواقعة روسباخ في عام 1758، التي هزم فيها فردريك العظيم الفرنسيين هزيمة فادحة. فبمجرد هزيمة فرنسا وفقدانها مكانتها تنبه الشعب لحالة البؤس الذي كان يعانيه، والظلم الذي كان يغمر حياته فثار وهب مطالبا بما آمن به من حقوق حياته وفي مقدمتها مقوماته الضرورية.
كما كان من سوء حظ لويس السادس عشر أنه ولي العرش إثر عهدين لم يكن الشعب الفرنسي راضيا عنهما، بعد عهدي لويس الرابع عشر، ولويس الخامس عشر، فلما آل العرش إلى لويس السادس عشر في عام 1774 كانت فرنسا منهارة وتقف على هاوية الإفلاس وقد كانت الآمال معقودة حول شخصه لتحسين الوضع. لكن لويس السادس عشر لم يكن رجل الساعة، وقد انقاد وراء أهواء زوجته ماري انطوانيت التي لم تنجح في اكتساب حب الشعب الفرنسي.
ج/الأحوال الاجتماعية:
كان للأحوال الاجتماعية للشعب الفرنسي آن ذاك أثر كبير في تأجيج نار الثورة، فقد كانت الفوارق الواضحة بين طبقات المجتمع سببا رئيسيا في ذلك. ففي حين كانت الأقلية من طبقات الشعب تتمتع بامتيازات عديدة كانت الأكثرية ترزح تحت أعباء ثقيلة تقتضيها حياة الكادحين حيث أنهكهم نظام الإقطاع والضرائب الثقيلة المفروضة عليهم.
وكان المجتمع الفرنسي ينقسم إلى ثلاث طبقات:
الأشراف: ليس لهم نفوذ سياسي بسبب الحكم المطلق للملك، وفقدوا نفوذهم في مجلس الطبقات بعد تعطيله، لكنهم تمتعوا بامتيازات عديدة، فهم معفون من الضرائب، إلا أن بعضهم تأثروا بآراء المفكرين والمصلحين وآمنوا بالمبادئ التي نادى بها هؤلاء.
رجال الدين: كانت الكنيسة في فرنسا متصرفة في مساحات كبيرة من الأراضي، وكان كبار رجال الدين ينعمون بالثراء الفاحش، إلا أن الصغار منهم كانوا يعانون من الفقر، ولهذا انضم صغار رجال الدين لدعاة الإصلاح.
العامة: تشمل هذه الطبقة عدة طوائف:
المتعلمون والمفكرون ورجال القانون والمشتغلون بالصناعة والتجارة: كانوا يحقدون على الأشراف لما يتمتعون به من امتيازات واقتصار بعض الوظائف عليهم، وكان كثيرون من هذه الطائفة قد جمعوا ثروات كما شاركوا في الحياة الفكرية.
الفلاحون والصناع: يمثلون أغلبية الشعب، وكانوا أكثر الفئات بؤسا وأسوأهم حالا ورغم ضآلة مدخولهم فقد كانوا الأكثر تأثرا بالأعباء المالية وبالكساد الاقتصادي والضرائب المتعددة الفادحة.
رجال الجيش: كانت المراتب العليا في الجيش قاصرة على طبقة الأشراف رغم أن الكثيرين منهم كانت تنقصهم الخبرة بفنون الحرب، وترتب على ذلك استخفاف الجند برؤسائهم وانتشار الجمعيات السرية في صفوف الجيش.
د/الأحوال الاقتصادية:
وصلت الحالة الاقتصادية في فرنسا إلى درجة كبيرة من السوء والاضطراب، وكانت الضرائب متعددة ومتنوعة منها الضرائب العقارية، وضريبة الرأس وضريبة الدخل، وضريبة الملح،... وقد وقع العبء الأكبر منها على كاهل الطبقة الفقيرة، بينما كانت الطبقات الموسرة والقادرة معفاة منها.
وبالإضافة إلى ذلك فقد كانت النظم المتبعة في الزراعة سيئة، كما فُرِضت القيود على حرية تنقل الغلال بين إقليم وآخر، وفُرضت المكوس الجمركية الداخلية على القمح حتى أصبح الشعب يشكو من ندرة الخبز.
السبب المباشر:
أما السبب المباشر الذي أدى إلى وقوع حوادث الثورة، فهو فشل الإصلاحات المختلفة التي أشار بها بعض الوزراء مما أدى في النهاية إلى استدعاء مجلس طبقات الأمة للتفكير في حل لهذه الحالة، ومن ثم بدأت أحداث الثورة. عمل غالبية هؤلاء الوزراء على تحسين هذه الحالة وإنقاذ البلاد من الأزمة الاقتصادية، فاتبعوا المبادئ التي نادى بها الاقتصاديون لضمان حرية التجارة داخل فرنسا وخارجها، وتنظيم الضرائب تنظيما عادلا. وكان ذلك يقضي بالمساواة في تأدية الضرائب بين طبقات الأمة والنبلاء ورجال الدين والعامة، وفرض ضريبة عامة على الأرض. وفي سبيل ذلك لاقى المصلحون من الوزراء أمثال "تورغو Turgit" و"نيكر Nicker" و"كالون Calonne" و"ديبرين de Brienne" مقاومة من أصحاب الامتيازات الذي تآمروا على استبعادهم.
وبسبب تراكم المشاكل والأزمات دعا الملك مجلس طبقات الأمة للانعقاد، وأعاد "نيكر" للإشراف على الإصلاحات. وكان هذا الأخير يأمل أن يقر المال اللازم لمعادلة الميزانية، لكن الحكومة لم تضع قبل انعقاد هذا المجلس خطة للإصلاح الدستوري. ومع أنه تم الاتفاق في 24 يناير 1789 على أن يكون عدد ممثلي الطبقة الثالثة (العامة) معادلا لعدد أعضاء طبقتي الأشراف ورجال الدين معا، فإن الحكومة لم تقرر هل يجتمع جميع أعضاء الطبقات الثلاث معا، أو يجتمع ممثلو كل طبقة على حدة.