شروحاتغادر

تقسيم بولندا

احتلت بولندا مساحة كبيرة على خريطة أوروبا في مطلع القرن السادس عشر، إلا أنها كانت في هذه الفترة في حالة من التدهور السياسي والعسكري. فإذا ما نظرنا إليها نهاية القرن الثامن عشر رأينا دستورها يضفي الصبغة القانونية على الفوضى إذ يعطى لكل النبلاء سلطة الاعتراض (الفيتو) على أي تشريع، ووجدنا نظامها الاجتماعي يحتفظ من النظام الاقطاعي بأبشع مساوئه، فيقضي بالأخص على سكانها الفلاحين بالعيش في حال من الرق أسوأ من كل ما كان في فرنسا، ولمسنا في معظم شعبها تدهورا خلقيا كبيرا دون أن نعثر لدى الطبقات العليا إلا على القليل من الميول الذهنية والفكرية.

ولم تكن حدود بولندا تحصينات دفاعية طبيعية ولكن حكومتها لم تحذ حذو بروسيا التي عالجت هذا النقص بإنشاء جيش قوي، فكانت النتيجة وقوع الاختيار عليها لتكون لقمة سائغة لجاراتها. وقد حدث أول تقسيم لبولندا عام 1772 فكان نموذجا صادقا لدبلوماسية ذلك العصر. وقصته أن خطر نشوب الحرب بين النمسا وروسيا في شبه الجزيرة البلقان قد ظهر في الأفق، فتدخل فردريك ملك بروسيا في الأمر مقترحا إشباع شهية الدولتين بأراضي بولندا، وأن يأخذ هو نفسه لبروسيا نصيبا متساويا مع الآخرين.

وبذلك كانت حصة النمسا بقعة يسكنها ثلاثة ملايين من البولنديين والروس فأضافت بذلك عنصرين جديدين إلى مجموعة العناصر واللغات المختلفة التي كانت قد جمعتها. ونالت بروسيا قطعة أصغر حجما لكنها أكثر أهمية بالنسبة لها، وهي بروسيا الغربية التي كانت تشطر أرضها شطرين مفترقين، وكان سكان بروسيا الغربية من العنصر الألماني والمذهب البروتستانتي. وحصلت روسيا على الجزء الشرقي المأهول بالروس.

استمرت روسيا وبروسيا في تلاعبهما بمقدرات بولندا وبث الاضطرابات فيها مدة عشرين سنة، ثم أعلنتا أنه لم يعد بإمكانهما احتمال هذه الاضطرابات في البلد المجاور لما فيها من خطر عليهما. فقررتا تقطيعها للمرة الثانية، فاقتطعت بروسيا شطرا كبيرا من بولندا وأضافت مليونا ونصف المليون من البولنديين إلى رعاياها، كما حصلت على مدن ثورن ودانزك وبوزن، أما روسيا فقد حصلت على ثلاثة ملايين من الروس. وبعد سنتين من ذلك أُنزِل الملك البولندي عن عرشه مرغما وقسمت بقايا المملكة الممزقة بين بروسيا وروسيا والنمسا بعد جدال عنيف. وقد حصلت روسيا من التقسيمات الثلاثة التي محت بولندا من خارطة أوروبا إلى أيام الحرب العظمى، ضعف ما حصلت عليه بروسيا والنمسا معا.

تقسيم بولندا