شروحاتغادر

ظهور قوى جديدة على الساحة الأوروبية

لعبت روسيا وبروسيا دورا مهما في مسرح الأحداث في أوروبا واشتركتا في إدارة دولاب السياسة الأوروبية والعالمية، أما بروسيا فإنها أثارت بهجومها العنيف واندفاعها الشديد في العراك السياسي الأوروبي معظم دول العالم المتمدنة وجعلتها تتحد ضدها في حرب لم يشهد العنصر البشري لها مثيلا (الحرب العالمية الأولى 1914)، وأما روسيا فإن الثورة البلشفية التي حلت بها بعد الحرب كانت تقلق بال العالم وتنذر بانقلاب عظيم في أنظمة الحياة الاجتماعية.

كانت بروسيا مملكة محرومة من الحدود الطبيعية الصالحة للأغراض الدفاعية فقد تعين عليها أن تعتمد على القوة العسكرية للمحافظة على كيانها، وقد ظهرت فيها منذ القرن السابع عشر التقاليد العسكرية التي تتسم بالصرامة والكفاءة وهذا ما يفسر التقدم المطرد الذي حققته هذه الدولة. وقد كان لبروسيا حكام عظام قبل فردريك الكبير (1740-1786) ولكنه هو الذي ارتفع بالبلاد، من دولة من الدرجة الثانية إلى دولة من الدرجة الأولى.

حاول فريدريك الكبير ملك بروسيا توسيع مملكته فتوجهت أطماعه نحو الأراضي النمساوية حيث اقتطع منها مقاطعة "سيليسيا" دون أن يعلن حربا أو يقدم عذرا واضحا، وعندما شاهدت فرنسا ثارت مطامعها واتحدت مع بافاريا ثم هاجمت النمسا، غير أن الملكة ماريا تيريزا (ملكة النمسا) استطاعت أن تصد ذلك العدوان ولكنها تنازلت لفرديريك عن مقاطعة سيليسيا لتقنعه بالانسحاب من الحرب، وفي هذه الأثناء نهضت إنجلترا وهولندا لتساعدا النمسا خشية استيلاء فرنسا على الأراضي المنخفضة النمساوية واختلال التوازن الدولي. وفي النتيجة فاز فريديريك بمقاطعة سيليسيا.

لكن النمسا لم تفقد الأمل في استرجاع أراضيها من بروسيا، فاتحدت مع فرنسا رغم العداء الوراثي بين فرنسا والنمسا، بينما اتحدت بروسيا مع إنجلترا التي كانت في حرب مع المستعمرات في هذا الزمن. لكن فرديريك الكبير استطاع الانتصار في أشهر معركة "معركة روزباخ" 1757 والاحتفاظ بسيليسيا. وبعد ذلك وجه أطماعه إلى مناطق أخرى في أوروبا وبالذات بولندا التي سيأتي الحديث عنها في عنصر قادم.

خريطة تمثل مساحة بروسيا في سنة 1800

أما روسيا فإن سكانها الكثيرين الذين كان يعوزهم التنظيم لم يكونوا داخلين في نطاق الحضارة الأوروبية إلا بصعوبة، فالهوة بين روسيا وأوروبا الغربية من حيث الطباع والآراء كانت دائما واسعة. حيث أن روسيا كانت قد اعتنقت في العصور الوسطى المسيحية في صورتها الشرقية أو الأرثوذكسية، ثم جاء في القرن السابع عشر ذلك العبقري الفذ "بطرس الأكبر".

وجد بطرس الأكبر روسيا متأخرة عن الغرب، لذلك عمل على تثقيف روسيا والقضاء على العناصر المتمردة في البلاد، وفرض على طبقة النبلاء بعضا من مظاهر الحياة الأوروبية الغربية. ثم وجه أنظاره نحو السياسة الخارجية فكان همه إيجاد منافذ لروسيا في المياه الصالحة للملاحة، وللوصول إلى ذلك كان يجب أن يستولي على الأراضي التي وقفت سدا بين الحدود الروسية والبلطيق، وقد استطاع بعد حروب كثيرة أن يجبر السويد على التنازل له عن ليفونيا واستونيا وأرض سويدية أخرى. وقد واصلت القيصرة "كاترين الثانية" التي جلست على العرش من 1762 إلى 1796، الجهود التي بذلها بطرس الأكبر في سبيل التوسع الإقليمي وصبغ البلاد بالصبغة الأوروبية.